وكان الغوري حليفا لإسمعيل كما أسلفنا فأوجس من الترك خيفة على نفسه وحدس أن سليما سيلتفت لا محالة إلى الشام ومصر بعد فروغه من أمر الفرس، وعلم أن ضعف إسماعيل مما يزيد الترك قوة على قوتهم وهذا ما يخشى معه زوال ملك المصريين فرأى من الحزم أن يكون ضلعه مع إسمعيل ليقوم عنه بوجه الترك فحالفه وأوعز سرا إلى نائبه بمرعش وبلادها أن يتسبب ما استطاع في قطع قوافل الميرة عن سليم إذا اجتازت ببلاده، وكان لا بد لها من الاجتياز بها في مسيرها إلى فارس وأن يثبط أهل عمله عن بيع الذخائر والعلف من الجيش العثماني. وخرج هو نفسه في عساكر مصر وسار إلى حلب يروم في الباطن إخافة سليم وتهديد ساقة جيشه إلا أنه أشاع في الظاهر أنه لا يروم سوى السعي في الصلح بين الترك والفرس، ولما كتب إليه سليم يشكو إليه ما فعله نائب مرعش أجابه أن النائب المذكور عاص علي فإن ظفرت به فافعل به ما شئت ودس إلى النائب سرا يشكره على ما فعل ويغريه بالاستمرار في معاسرة الترك، فلم تخف على سليم هذه المخاتلة وقفل عن بلاد فارس مصمما على البطش بالغوري وشرع يتجهز لذلك ويتأهب، وكان أول ما بدأ به أن انقض بجيشه على نائب مرعش وكسره شر كسرة واعتقله واعتقل بنيه ثم ضرب أعناق الجميع وأرسل برؤوسهم مع قصاده إلى الغوري وهو يومئذ بحلب مع عساكره فقال الغوري عندها: زال والله ملكنا، وأخذ يشنع على أفعال سليم على مسمع من قصاده وهو في كل ذلك يظهر أنه ما خرج في الجيش من مصر إلا ليصلح بين سليم وإسمعيل، وبلغ منه أن أرسل إلى سليم
وهو في قيسارية سفيرا في عشرة فرسان دارعين مدجحين من خيار فرسانه، فلما وقعت عليهم عين سليم وهم على تلك الشارة علم أن الغوري رام إرهاب عسكره برؤية هؤلاء الفرسان فكاد يتميز من الغيظ وقال للسفير: أما كان عند مولاك رجل من أهل العلم يرسله إلينا حتى أرسلك وأصحابك هؤلاء يهول بكم على جندي رجاء أن تنخب قلوبهم من رؤية خيلكم وترائكها وفرسانكم ودورعكم وحسن بزتكم؟ وأمر بضرب أعناقهم فشفع وزيره يوسف باشا بالسفير وبين له أن الرسول لا يقتل فأبقى عليه وحده وقتل الباقين. ثم أمر بالسفير بعد يومين فحلقت لحيته إهانة له وألبسه ثوب أسمال وأركبه على حمار ظالع وقال له: إذهب إلى مولاك وقل له يفرغ ما في وطابه، ثم أقبل يزحف بجنده على حلب اه.
(أقول) : هذا ما ذكره المؤرخون من الأسباب في هذه الحرب وأراها أسبابا ظاهرية، والأسباب الحقيقية التي قوت عزيمة السلطان سليم على الاستيلاء على القطرين الشامي والمصري ودعته أن يأتي بجيوشه الجرارة إلى هذه الديار هو تطرق الخلل في إدارة الدولة الجركسية ووهن قواها للفتن التي كانت تحصل بين الأمراء فيها وقتل بعضهم لبعض بقصد الحصول على الوظائف والسلطنة، حتى إنك تجد المملوك من الجراكسة من حين دخوله إلى مصر وهو فقير صعلوك يطمح بنظره إلى نوال كبار الوظائف ويعلق آماله بالاستواء على عرش السلطنة إذ لا نظام للبيت السلطاني ولا لمن يلي الملك والسلطنة، وكان نظامهم في ذلك (كل من قدر قام) فالفتن لذلك مستطير شررها لا يخمد لهيبها، وكان ملوك الجراكسة وأمراؤهم يستعينون على إثارة هذه الفتن بظلم الرعية والضرائب الثقيلة والمصادرات المتتابعة يظهر لك ذلك من تتبع تاريخ ابن إياس المصري وكتاب السلوك في معرفة الملوك والمنهل الصافي وغيرها من تواريخ ملوك الجراكسة بمصر.
فأحدثت هذه الأمور تأثيرا في المملكة المصرية وأوهنت قواها وحل بها الهرم من جميع أطرافها. والمملكة العثمانية في ذلك العصر في عنفوان شبابها وأوج عظمتها قد انبسط سلطانها وتناءت أطرافها وتقوت شكيمتها. وبالطبع إن أخبار المصريين وسيىء أحوالهم كانت تبلغ مسامع ملوك آل عثمان فتوجهت عزائمهم إلى تقويض أركان تلك الدولة المختلة الإدارة الجائرة على الرعية الظالمة لها، وعلق السلطان بايزيد رحمه الله آماله على الاستيلاء على مصر وما كان تابعا لها وبذر بذور ذلك أيام دولته كما قدمناه ولم يتم له ذلك لأن الأمور مرهونة بأوقاتها وتم هذا الفتح العظيم للمغفور له السلطان سليم خان رحمه الله.