قال في خلاصة الأثر في ترجمة حسين باشا ابن جانبولاذ الكردي المذكور: إنه كان في ابتداء أمره من المتفرقة ثم تولى إمارة كلّز منصب والده وعزله عنه أخوه الأمير حبيب، وشبت العداوة بينهما، ثم استمرا يتعازلان فتولى ديو سليمان كلّز فاحتاج إلى جمع السكبانية، وكان ابتداء كثرتهم وظهور قوانينهم من عبد الحليم اليازجي أحد أتباع المسطور، ولما سجن صاحب الترجمة بحلب وبيعت جميع عقاراته وأسبابه بأبخس الأثمان
لمال سلطاني كان عليه تولى كلّز بعد ذلك وصمم على الامتناع من تسليمها إن عزله أحد، فكان إذا عزل من جانب السلطنة سعى في العود من غير تسليم المتولي الجديد، فعلم أكابر الدولة أنهم إذا صمموا على عزله شق العصا فتركوه وارتضوا بالمال فكثرت أجناده وأمواله. وكان له مروءة وفتوة ومحبة للعلماء والصالحين إلا أنه كان ظالما لاحتياجه إلى علوفات السكبانية، وكان له فضيلة في علم الفلك والزايرجا والتقويمات والرمل وصرف أكثر عمره في ذلك.
ولما توجه محمد باشا الوزير ابن سنان باشا الوزير الأعظم سردارا على حسين باشا أمير لواء الحبشة وكان خرج عن الطاعة وشق العصا، وسببه أنه لما تولى إمارة الحبشة أخذ منه أكابر الدولة مالا جزيلا استدان غالبه ثم عزلوه سريعا فشق العصا مغاضبا لهم فتوجه صاحب الترجمة لحربه صحبة السردار فقدم إلى كلّز خارجي من السكبانية يقال له رستم ومعه من البغاة أجناد كثيرة، وكان ضابط كلّز عزيز كتخدا من جماعة صاحب الترجمة فبعث واستنجد بعساكر حلب منهم العسكر الجديد، فخرجوا لنصرته واجتمعوا جميعا فتقابلت الأجناد وقام بينهم سوق الحرب والطعن والضرب فانتصر عسكر رستم على عسكر حلب وكلّز وقتل عزيز كتخدا وقتل من العسكر ما لا يحصى وولوا منهزمين، فنهب الخارجي كلّز وصادر أعيان أهل القرى.
ولما تولى نصوح باشا كفالة حلب وكان عساكر دمشق تغلبوا على حلب ونواحيها وأمره السلطان أحمد بإخراجهم وعجز عن ذلك فاستعان بصاحب الترجمة فبعث ابن أخيه الأمير علي بعسكر عظيم فأصبح نصوح باشا وقد أخذ القلعة ووضع متاريس تحت قلعة حلب واستعدت جماعته فكانوا نحو ستمائة فأخذت العساكر الدمشقية باب بانقوسا واستعدوا وجمعوا عساكرهم نحو الألفين وهم لا يعلمون أن صاحب الترجمة بعث عساكر، فأحضر نصوح باشا إليه كنعان سردار الدمشقيين وأخبره أن السلطان رفعهم من الاستخدام وأمر بإخراجهم من حلب بعيالهم فامتنعوا.
ثم تواردت الأخبار أن الأمير علي بن جانبولاذ وصل إلى قرية حيلان بعساكر لا تحصى فخرجوا في الظلام ولم يبق منهم أحد، وفي اليوم الثاني دخل الأمير علي بالعساكر المتكاثفة فتبعهم نصوح باشا ومعه الأمير علي إلى قرية كفرطاب فوقع بينهم محاربة فانهزم الدمشقيون بعد ما قتل منهم جم غفير، فصادر نصوح باشا أقاربهم وأتباعهم، وفعل
حسين باشا مع نصوح باشا هذا الفعل، فأخذ نصوح باشا يتكلم بين الناس أنه يريد قتل حسين باشا، فسمع الخبر فأخذ في جمع العساكر وبعث جماعة إلى السردار سنان باشا ابن جغالة الذي أرسله السلطان لقتال الشاه، فبلغ ذلك نصوح باشا فاشتدت عداوته فعزم على المفاجأة بالقتال لكون كلّز قريبة من حلب، فخرج في عساكره مجدا حتى وصلها في يوم واحد فقابل حسين باشا بعسكره والتقت الفئتان فانكسر نصوح وقتل أكثر عسكره ودخل حلب منهزما.