قال في تاريخ نعيما: لما بلغ الأمير عليا قتل عمه حسين باشا غضب لذلك غضبا شديدا وعزم على الانتقام من الدولة وشق عصا الطاعة وجمع حوله كثيرا من الحشرات الأكراد والعربان، ولما وصلت الأخبار إلى الآستانة بذلك أرسلت له منشور الولاية على
حلب وقصد بذلك تسكين غضبه، إلا أن ذلك زاد في عتوه وبقي مصمما على الخروج عن الطاعة وتوجه لمحاربة الأمير يوسف بن سيفا حاكم طرابلس الشام وكسره، وتحصن ابن سيفا في طرابلس ثم صالحه على مال وصاهره ليكون ظهيرا له. ثم توجه إلى الشام لعداوة سابقة بينه وبين أمرائها وحاربهم وحاصرهم في القلعة وقتل من عسكرهم كثيرين، ثم صالحهم على مال كثير وصادر أموالهم ثم عاد إلى حلب، وبعد وصوله إليها قسم الغنائم على قسمين من العساكر وظن أنه بذلك استكمل قوته واشتد ساعده فجمع أيضا عساكر وشق عصا الطاعة على الدولة ومنع وصول خزائن المال إلى قسطنطينية وقسم عساكره إلى قسمين خيالة ومشاة المشاة على نسق اليكيجيرية والخيالة على نسق السباهية، وعدد المشاة ستة عشر ألفا يرأسهم شخص يدعى جمعة، والخيالة قسمهم إلى قسمين ميمنة وميسرة جملتهم ثمانية عشر ألفا يرأسهم شخص يدعى خرتاوي، علم ذلك من دفاتر السجلات التي وجدت في حلب بعد استئصالهم.
وحينما حصل هذا الأمر أرسلت الدولة السردار مراد باشا لتأديب علي باشا جانبولاط المذكور وكان أمره هو الشغل الشاغل لأفكار الدولة، وكان توجهه إلى الديار الحلبية في سابع ربيع الأول من السنة المذكورة، وكان علي باشا جانبولاذ متحصنا في مضيق بغراص (بيلان) وقد اتخذ فيها متاريس واستحكامات ومعه من العساكر عشرون ألفا من الخيالة وعشرون ألفا من المشاة، وحينما علم السردار مراد باشا بتحصن علي باشا في الأمكنة المذكورة انحرف عنها وجاء من جهة (أرسلان بلي) . وفي جمادى الآخرة اجتاز المضيق المذكورة ونزل إلى صحراء الحمامات فلحق به ذو الفقار باشا والي مرعش بعساكر ذي الغادرية وقعدا في هذا المكان ثلاثة أيام إلى أن تم مرور العساكر من ذلك المضيق واستقرت في صحراء درمه، وحينما بلغ ابن جانبولاط اجتياز العساكر قام من مكانه ثاني رجب وأتى نحو عساكر الدولة وحط رحاله في صحراء الروج بحيث صار بينه وبين عساكر الدولة نصف مرحلة.
ثم أرسل ابن جانبولاط ثلة من العساكر لأجل الكشف فوقع بينهم وبين عساكر الدولة مصادفة أدت إلى قتل رئيس تلك الثلة وكان يسمى (الجن) وانهزم الباقون وأسر منهم طائفة، وحينما مثل المأسورون بين يدي ابن جانبولاط قتلهم للحال، وصباح ذلك اليوم صف السردار مراد باشا عساكره وتهيأ للقتال فأرسل علي باشا جانبولاط رسولا بطلب
الأمان فرد الرسول ولم يقبل بالصلح، ثم التقى الفريقان وكان في المقدمة ذو الفقار باشا حاكم مرعش فظهر منه شجاعة عظيمة وأبلى في ذلك اليوم بلاء حسنا، وكان في الميسرة حسن باشا ترياكي ومعه عساكر الروملي فهجم عليه ابن جانبولاط ووقع بينهما حرب عظيمة وقتل في ذلك اليوم من عساكر ابن جانبولاط عشرون جمعت الرؤوس ووضعت مكردسة أمام القائد مراد باشا وعين عشرون شخصا لقطع رؤوس الأشقياء الذي أسروا فأمضوا ذلك اليوم في قطع الرؤوس من الأسرى. وأدى الأمر إلى انكسار ابن جانبولاط وفراره إلى جهة كلّز مسقط رأسه، إلا أنه لم يقر له بها قرار فتوجه منها إلى حلب وأخذ في مصادرة الأغنياء، وأيضا لم يستقر له بها قرار فأبقي في قلعة حلب جمعة وخرتاوي وهما من مقدمي عساكره وخرج منهزما من حلب من باب بانقوسا، وفي أثناء خروجه منها كان النساء والأطفال يولولون ويسبونه ويلقون على رأسه القاذورات ويحقرونه بأنواع كلمات التحقير، ثم صار أهالي حلب يلقون القبض على أتباع ابن جانبولاط فبلغوا نحو الألف، وحينما أتى مراد باشا إلى حلب سلموا إليه هؤلاء الأشقياء فقطع رؤوسهم.