فهرس الكتاب

الصفحة 708 من 2877

هذه المدرسة أعظم مدارس الشهباء شأنا وأوسعها بناء، وقبليتها قبة واحدة شاهقة مبنية على جدران عريضة جدا أمامها صفتان كبيرتان عليهما أربعة عواميد ضخمة وعلى طرفيها إيوانان كبيران بجانب الأيمن منهما منارة مدورة الشكل عظيمة الارتفاع على نسق منارات الآستانة، وقبليها بستان مغروس بشجر الكبّاد وصحن المدرسة واسع جدا في وسطه حوض كبير يجري الماء فيه في غالب الأوقات، ووراء هذا الحوض مصطبة على طول الحوض يحيط بهذا الصحن الواسع ثلاثة أروقة فيها 24عمودا من الحجر الأصفر، ووراء الأروقة أربعون حجرة، وفي الجهة الشرقية حوش صغيرة تشتمل على عدة حجر، وخارج المدرسة في الجهة القبلية منها مكتب وسبيل، وجميع القبب والأسطحة مغطاة بالرصاص وقد صب الرصاص بين الجدران أيضا كل ذلك ليزداد البناء متانة وصبرا على الأيام، وعن يمين الإيوان الغربي دهليز في صدره قاعة للتدريس لها شبابيك مطلة على البستان وفي شرقيه

حجرة واسعة اتخذت مكتبة ووضع فيها كتب قيّمة من المخطوطات، ومنذ أربعين سنة أهداها المرحوم تقي الدين باشا المدرس والي بغداد ومكة كتبا مخطوطة ومطبوعة، غير أن الأيدي قد لعبت بهذه المكتبة وسرق منها معظم نفائسها ولم يبق منها إلا القليل وذلك لإهمال متولي الوقف وقيّم المكتبة أمرها، وقد شرط أن تكون مفتحة الأبواب يومين في الأسبوع كما تقدم ولا تفتح الآن إلا بعد الإلحاح في طلب الفتح، ومن أسباب ضياع الكتب فيها إعارتها للمجاورين ثم عدم السؤال عنها أو التفتيش عليها، فكان ذلك سبب تبعثرها، وآخر ما سمعت عن هذه المكتبة أنه كان فيها نسخة نفيسة الخط جدا من تفسير القاضي البيضاوي كأنها كتبت بقلم واحد وهي مذهّبة استعارها بعض بسطاء الطلبة من بضع سنين فوضعها في شباك حجرته فمر من مر فرآها هناك والشبّاك مفتوح فسرقها. وإنّي لا أرى وجها لإخراج الكتب من المكتبة لأجل الحضور فيها ومثل البيضاوي يباع المطبوع منه بقيمة زهيدة لا يعجز الطالب مهما كان فقيرا عن قيمته، وبالجملة لا أثر للانتظام في هذه المكتبة وحالتها تتفطر لها قلوب محبي المطالعة والاطلاع، ولا أدري يسمح الزمان بتعويض ما فقد منها وتنظيم شؤونها وجعلها صالحة للاستفادة في كل وقت شأن الأمم الراقية في مكاتبهم.

ومما لا ريب فيه أن هذه المدرسة لا نظير لها في البلاد السورية وكثير من البلاد الإسلامية في ضخامة بنائها وسعة أرجائها وغزارة وقفها، ومع هذا فإنها لم تخرج لنا منذ مائة عام إلى الآن من العلماء ما يبلغ عد الأصابع، وهي ككثير من المدارس العلمية التي في حلب أصبحت منذ مدة طويلة ملجأ للكسالى ومأوى للعجزة وذلك لإهمال متوليها أمورها وعدم تقديرهم العلم حق قدره، ومنذ سنتين اهتم بأمرها السيد يحيى الكيالي مدير الأوقاف الحالي وأخرج منها من كان مقيّدا فيها وطالت مدته ومن لا يرتجى الخير في بقائه وقيد فيها طلبة من جديد وكلف المتولي أن يعطي لكل مجاور ليرة عثمانية ذهبا في كل شهر بعد أن كان 46قرشا، وزيد في سنة 1336إلى 95قرشا لارتفاع أسعار الليرة العثمانية من 127قرشا إلى 250، وكلّف مدرسيها المعينين فيها أن تكون قراءتهم للدروس في أوقات معينة، وكتب كذلك على مقتضى البرنامج الموضوع للمدرسة الخسروية وأصبحت تابعة للامتحانات السنوية، وبذلك انتظم أمر التدريس فيها بعض الانتظام ولعله بعد ذلك تزداد انتظاما فتخرج لنا رجالا عالمين عاملين فتنتفع بهم العباد والبلاد.

ومنذ عهد قريب راجع المجاورون فيها المحكمة الشرعية طالبين قيمة ما هو مقدر لهم من الأطعمة على مقتضى شرط الواقف المتقدم، وبعد أخذ ورد حكم لهم أن يتقاضوا في كل

شهر 400قرش على اعتبار قيمة الليرة العثمانية الذهبية 275قرشا الذي هو سعرها الحالي، غير أن المتولي لم يعطهم أكثر من ليرة واحدة، والحال باق على هذا إلى الآن ولا ندري ما يكون الحال في المستقبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت