فهرس الكتاب

الصفحة 720 من 2877

ذا وزير لم يأل في النصح جهدا ... ظل يسعى بكل أمر حميد

ومتى عدّ آل عثمان جمعا ... يا لعمري فذاك بيت القصيد

كان من رؤساء الوزراء عفة وكمالا وعدلا ودينا وسخاء ومروءة وشجاعة وفراسة وتدبيرا، وكان واسع الرأي مهابا بحيث يتفق أنه يفصل الخصومة بين الشخصين بمجرد وقوفهما بين يديه ونظره لهما ينقاد المبطل للحق، وهذه المزية قد استأثر بها، وكان يحب العلماء والصلحاء والفقراء ويميل إليهم الميل الكلي ويكرمهم الإكرام التام باليد واللسان، ذا شهامة وافرة وشجاعة متكاثرة وحرمة واحتشام وكمال مشهور في الأنام، طاهرا من كل ما يشين مشغول الأوقات إما بفصل الخصومات بين المسلمين أو بتلاوة كتاب الله المبين أو بالصلاة على سيد المرسلين أو اصطناع يد أو إسداء معروف إلى أحد من المساكين، لم تسمع عنه زلة ولم تعهد له صبوة ولم يوقف له على كبوة ولا هفوة، ميمون الحركات والسكنات مسعودا في سائر الأطوار والحالات بحيث إنه لم يتفق له توجه إلى شيء إلا ويتمه الله له على مراده، ولم يتعاص عليه أحد إلا ويكون هلاكه على يديه. ولد بدمشق سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف وبها نشأ وقرأ وحصل وبرع وتنبل، ثم ذهب إلى حلب سنة ثلاث وستين ومائة وألف مع خاله الوزير الشهير سعد الدين باشا لما وليها ودخل معه طرابلس مرات، ثم استقام بدمشق وعكف على تحصيل الكمالات إلى أن بلغ مصطفى خان وفاة الوزير سعد الدين باشا فنظر إلى المترجم بأنظار اللطف وأنعم عليه برتبة أمير الأمراء بروم إيلي مع عقارات خاله أسعد باشا الشهير، فترقى بذلك أوج السعادة، وبعد برهة من الزمان أنعم عليه برتبة الوزارة فأتت إليه منقادة مع الإنعام بمنصب صيدا وذلك سنة ست وسبعين ومائة وألف، فنهض من دمشق إليها وسار السيرة الحسنة بين أهليها، ثم انفصل عنها وولي حلب فدخلها رابع عشري شعبان سنة سبع وسبعين ومائة وألف، وكانت حلب مجدبة ولم يصبها المطر فحصل بيمن قدومه كثرة أمطار ورخاء أسعار ونمو زروع وعامل أهلها بالشفقة والإكرام ورفع عنهم من البدع ما كان ثلما في الإسلام فأثلج بذلك الصدور وأحيا معالم السرور، منها إزالة منكر كان قد حدث بها سنة إحدى وسبعين ومائة وألف، وذلك أنه جرت العادة في بعض محلاتها أن تفتح حانات القهوة ليلا وتجتمع بها الأوباش إلى أن زاد

البلاء وفجرت النساء مع ما ينضم إلى ذلك من شرب الخمور وفعل المنكرات وأنواع الفساد، فحانت التفاتة من صاحب الترجمة في بعض الليالي من السطح إلى ذلك فقصده مختفيا وأزاله، وفي ثاني يوم أمر بإزالة هذا المنكر ونبه على أن لا تفتح الحانات ليلا أبدا، فطوى بسبب ذلك بساط الفجور وانجلى من ظلمة المعاصي الديجور، ومن جملة ما رفعه من المظالم بحلب حين توليه لها بدعة الدومان عن حرفة الجزّارين التي أوغرت صدور المسلمين، وكان حدوثه بها سنة إحدى وستين بعد المائة والألف، والدومان اسم لمال يجتمع من ظلامات متنوعة يستدان من بعض الناس بأضعاف مضاعفة من الربا ويصرفه متغلبو هذه الحرفة في مقاصدهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة، وطريقتهم في وفائه أن يباع اللحم بأوفى الأثمان للناس من فقراء أو أغنياء وتؤخذ الجلود والأكارع والرؤوس والكبد والطحال بأبخس ثمن من فقراء الجزارين جبرا وقهرا، كل ذلك يصدر من أشقياء الجزارين ومتغلبيهم إلى أن هجر أكل اللحم الأغنياء فضلا عن الفقراء وأعضل الداء. واتفق أنه في سنة ست وسبعين كان قاضيا بحلب المولى أحمد أفندي الكريدي فسعى في رفع هذه البدعة، فلم تساعده الأقدار فباشر بنفسه محاسبة أهل هذه الحرفة الخبيثة ورفعها وكتب عليهم صكوكا ووثائق وسجلها في قلعة حلب، فلما عزل عاد كل شيء لما كان عليه، فلما كان أواخر محرم سنة ثمان وسبعين قبض صاحب الترجمة على رئيسهم كاورحجي وقتله وأبطل تلك البدعة السيئة وصار لأهل حلب بذلك كمال الرفق والإحسان. وامتدحه أدباؤها بالقصائد البديعة، فمن ذلك ما قاله الشهاب أحمد الورّاق:

أعرف البان أم نفح الورود ... أطيب المسك أم أنفاس عود

أروض مر سجساج عليه ... فتم بسره غب الورود

أم الأزهار أيقظها نسيم ... فضاعت بالشذا بعد الرقود

ومنها:

ومن وفّى المعالي مهر مثل ... له دانت على رغم الحسود

ومن يذكو أريج الخيم منه ... زكا فعلا ووفى بالعهود

ومن يبغ المكارم لا يبالي ... بما يوليه من كرم وجود

ومن هانت عليه النفس نالت ... يداه ما يروم من الوجود

ومن يطع الإله ينل مراما ... ويحرز ما يسر من المجيد

ومن يرد اكتساب الحمد تنأى ... مطامعه عن الأمل البعيد

ومن يول الجميل لكل عاف ... ينل حمدا مع المدح المزيد

ومنها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت