فهرس الكتاب

الصفحة 757 من 2877

وكانت نفوس هذه الفئة لم تطب لقبول النظام الجديد لما كان يلزم عنه من نزع امتيازات الأنجكارية وانكسار شوكتهم، فلما صارت الولاية لخورشيد باشا المتقدم ذكره وأشعروا بما كان السلطان يضمره من قطع دابر الأنجكارية على يده ناصبوه العداوة فثقل الوطأة عليهم وعلى كل من كان قائما بنصرتهم أو متصفا بشعارهم من أهل المدينة، وأقبل يعريهم شيئا فشيئا عن كل ما كان لهم من امتيازات قديمة كانوا قد حصلوا عليها وتفردوا بها من حيث هم جند السلطان وحماة آل عثمان، فساواهم بغيرهم من الناس في الضرائب وكانوا قبل ذلك معفيين منها، وجعل ينكس أعلامهم ويحملهم من عنفه ما لم يألفوه ويتحكم فيهم بهواه حتى لم يبق لهم سبيل إلى الشك في أنهم قد أصبحوا على أثر النظام الجديد رعية بعد أن كانوا رعاة، وصاروا مرؤوسين بعد أن كانوا رؤساء، فنقموا عليه ذلك فيما نقموا وعقدوا عزمهم آخر الأمر على الثورة به وخلع ربقته من أعناقهم. وكان مما نقموا

عليه أيضا ضربه عليهم ضريبة جديدة سماها خراج الدار واعتزاله إياهم، وذلك أنه رأى من الحزم وتسهيلا لإنجاز ما كان شارعا فيه أن يهجر دار الولاية التي في المدينة وأن يقيم في قصر حصين مبني على هضبة في شمالي المدينة يعرف بقصر الشيخ أبي بكر ويستنيب عن نفسه في دار الولاية رجلا يعرف بالمتسلم، وكان هذا المتسلم فظا غليظا فلم يرتضوه ورغبوا إلى الوالي بادىء بدء أن يعزله ويولي غيره وأن يعفيهم من تلك الضريبة فأبى.

وكان قد مضى عليهم نحو من سبع سنين وهم في هذه الحالة التي لم يألفوها، غير أنه كان يتعذر عليهم اجتماع كلمتهم على أمر ما، وذلك لأن أوجاقهم [1] كان قد ألغي وانفرط عقدهم من الجيش على أثر النظام الجديد، فلم يبق لهم رئيس نافذ الكلمة يجمع أمرهم وأصبحوا فوضى، وكان الوالي أوجس من عداوتهم ما حمله على اعتزالهم كما ذكرنا وعلى مداومة التيقظ والسهر عليهم فلم يتسن لهم أن يتواطؤوا على أمر ذي بال إنجازا لما كانوا ينوونه. ثم عن للوالي أن يبارح المدينة بضعة أيام لمناظرة ما كان قد شرع فيه مرارا ولم ينجز قط أعني جر ماء الساجور إلى حلب [2] ، فرأوا أن غيابه هذا من سوانح الفرص التي لا ينبغي إهمالها فانتهزوها واجتمع زعماؤهم وتواطؤوا على الثورة وشق عصا الجماعة.

ولما كان مساء يوم الجمعة الثاني والعشرين من تشرين الأول سنة تسع عشرة وثمانمائة للميلاد (توافق أواخر سنة 1234) خرج مناد من قبلهم وجال في شوارع المدينة ينشد ولدا عمره سبع سنين قد فقده أهله في الساعة السابعة من الليل، وكان هذا النداء أمارة تؤذن لأصحابهم بما صمموا عليه من الثورة، وكان في الولد الذي عمره سبع سنين إشارة إلى أنه قد سلبت حريتهم وعروا من امتيازاتهم منذ سبع سنين، والساعة السابعة إيعاز إلى أصحابهم أن يبتدئوا الثورة في تلك الساعة من الليل وكان أول من سمع هذا النداء أهل المحلة المعروفة بقارلق، فحملوا سلاحهم وكبسوا منازل الجند السلطاني التي كانت في محلتهم

(1) أصل الأوجاق أو جاغ فحرفته العامة، وهو لفظ تركي معناه لغة موقد أي موقد النار، واصطلاحا بيت رئيس القوم يجتمعون إليه فيه، ثم توسع فيه حتى صار يطلق على الزعيم نفسه، ومنه أوجاق الأنجكارية أي زعيمهم، وقد يراد به نسق أو طائفة من الجند تكون مؤلفة منهم، وقد ألغي ذلك كله بالنظام الجديد اه منه.

(2) تقدم أنه نجز سنة 731في أيام سيف الدين أرغون لكن لعدم الاعتناء بأمره سدت مجاريه إلى يومنا هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت