ولنرجع إلى تتمة ما أحدثوه في بلادنا واقترفوه من تعطل أحوالنا وأسر أولادنا، فنقلوا أنه لما صفت لهم الأيام بادروا لأخذ الأسلحة من المسلمين على الإطلاق وقطع المرور في الطرق والأسفار إلا بأوراق، فصار لا يخرج الرجل من بلده إلا بورقة يأخذها من الديوان وكفيل من أهله يتعهد بعوده إلى الأوطان، والناس لا يدرون ما قصدهم بذلك ولا يشعرون بما وراء هذا القانون من المهالك، إلى أن دخلت سنة إحدى وخمسين وثلاث وخمسين وأربع وخمسين بعد المائتين وألف من هجرة سيد المرسلين وقع القبض على أولاد المسلمين في سائر القرى والأمصار مع الترخيص للعساكر بالهجوم على أعراض المسلمين ثلاث ساعات من نهار، وذلك لأجل نظامهم الذي أسكنهم دار البوار ونادى عليهم بلسان الحال يا أهل البغي الدمار الدمار. (إلى أن قال) :
ثم لا زال ظلمهم في الأقطار ذائع حتى تلاشت الأمصار وخربت أغلب القرى وما بقي منها فللعدم مسارع، والأكثر من الناس قد هجر الأوطان والعيال وتفرقوا في سائر جهات الأرض وشعف الجبال، وانقطعت آمالهم إلا من ذي العزة والجلال. (ثم ذكر) مجيء حافظ باشا ومعه من العساكر مائة ألف أو يزيدون ومحاربته لإبراهيم باشا في نزّب وانكساره ووقوعه في قبضة إبراهيم باشا وذلك سنة 1255ووفاة السلطان محمود في هذا الأثناء وجلوس السلطان عبد المجيد على كرسي السلطنة العثمانية وتشييده المراكب الحربية إلى أن وقفت قبالة مدينة بيروت وعكا ورمتها بالمدافع دكا دكا وسلمتا وبادرت الجيوش المصرية للهرب، وانحاز إبراهيم باشا بمن بقي معه نحو الشام وأرسل في طلب ماله من العساكر والأجناد المقيمة في البغاظات [الثغور] والقشل والبلاد وأمرهم بإتلاف ما يتركونه من الذخائر والسلاح، وقتل كل من كان عاجزا عن السير معهم كي لا يعود لوطنه ويرتاح، ولم ينته رمضان سنة 1256ست وخمسين ومائتين وألف إلا وقد خلت منهم الديار ورجع كل أسير إلى وطنه وقرّت العين بالعين، ثم لم تبرح هذه الفئة الباغية تجول في ميدان الجزع والحيرة مع قطع المدد ونقص العدد وضنك العيش وقلة الذخيرة وهم محصورون في مدينة دمشق الشام من غير محاصر لهم سوى سيف القدرة والانتقام إلى مستهل شهر ذي القعدة بادروا بالرحيل نحو الإسكندرية، وحينئذ زينت الأمصار فرحا بخذلانهم وانعكاسهم وقامت مواسم التهاني والأفراح وبسطت أكف الدعاء لحضرة أمير المؤمنين بالألسن الفصاح.
ثم ختم المؤلف رسالته بقصيدة امتدح بها السلطان عبد المجيد ليست من غرضنا.
وقد أفادتنا هذه الرسالة ما كانت عليه الحال في البلاد السورية أثناء احتلال الجيوش المصرية
لها في هذه السنوات التسع. ويظهر أن إبراهيم باشا لم يتمكن من القيام بشيء من الإصلاحات النافعة والمشاريع العمرانية في هذه البلاد لانشغاله بالحروب تثبيتا لقدمه فيها وأملا بالاستيلاء عليها استيلاء نهائيا. والذي أراه أن إبراهيم باشا لم يصب في سياسته بتوجيه آماله إلى افتتاح البلاد التركية وطموح نظره إلى الاستيلاء على القسطنطينية مقر السلطنة العثمانية مع علمه بصعوبة هذا المرتقى، لأن الأمة التركية تتفانى دون حصول ذلك والدول الغربية لا تسكت عنه، وكان الأولى بإبراهيم باشا أن يوجه وقتئذ نظره إلى افتتاح بلاد العراق وبافتتاحها يكون قد ضم إليه البلاد الحجازية والأقطار اليمانية، ويكون قد صار في قبضته وتحت حوزته جميع جزيرة العرب فيتأسس لديه دولة عربية متنائية الأطراف قوية الشكيمة عظيمة السلطان وحسبه ذلك، ويكون حينئذ للأمة الإسلامية دولتان عظيمتان في الشرق تقفان سدا منيعا أمام مطامع الدول الغربية فيه، ولو حصل ذلك لما حصل ما كان من الحوادث في الشرق من أول هذا القرن إلى يومنا هذا، ولكن إرادة الله لم تشأ ذلك وقضاؤه كان بخلاف ذلك.