فهرس الكتاب

الصفحة 859 من 2877

وأصل ذلك أنه كان بالقلعة جرس كالتنور العظيم معلق على برج من أبراجها التي من غربيها كانت الحراس تحركه ثلاث دفعات في الليل دفعة في أوله لانقطاع الرجل عن السعي وأخرى في وسطه للبديل وأخرى في آخره للإعلام بالفجر، وعلق هذا الجرس في سنة ست وتسعين وأربعمائة. والسبب في تعليقه ما حكاه منتخب الدين يحيى بن أبي طي النجار الحلبي في تاريخه أن الفرنج لما ملكوا أنطاكية في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة طمعوا في بلاد حلب فخرجوا إليها وعاثوا في بلادها وملكوا معرة النعمان وقتلوا من فيها، فخافهم الملك رضوان بن تاج الدولة تتش لعجزه عن دفعهم فاضطر إلى مصالحتهم، فاقترحوا عليه أشياء من جملتها أن يحمل إليهم في كل سنة قطيعة من مال وخيل وأن يعلق بقلعة حلب هذا الجرس ويضع صليبا على منارة المسجد الجامع، فأجابهم إلى ذلك، فأنكر عليه القاضي أبو الحسن بن الخشاب وكان بيده زمام البلد وضع الصليب على منارة الجامع وقبح ذلك، فراجع الفرنج في أمر الصليب إلى أن أذنوا له في وضعه على الكنيسة العظمى التي بنتها هيلانة، فلم يزل بها إلى أن حاصرت الفرنج حلب سنة ثماني عشرة وخمسمائة ونبشوا ما حولها من القبور فأخذ القاضي ابن الخشاب الكنايس كما تقدم ورمى الصليب. وأما الجرس فإنه لم يزل معلقا إلى أن ورد حلب الشيخ الصالح أبو عبد الله بن حسان المغربي فسمع حركة الجرس وهو مجتاز تحت القلعة فالتفت إلى من كان معه وقال: ما هذا الذي قد سمعت من المنكر في بلدكم، هذا شعار الفرنج، فقيل له: هذه عادة البلد من قديم الزمان، فازداد إنكاره وجعل أصبعيه في أذنيه وقعد في الأرض وقال: الله أكبر الله أكبر،

وإذا بوجبة عظيمة قد وقعت في البلد فانجلت عن وقوع الجرس إلى الخندق وكسره وذلك في سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فجدد بعد ذلك وعلق مرة ثانية فانقطع لوقته وانكسر وبطل من ذلك اليوم.

قال كمال الدين ابن العديم في ترجمة هذا الرجل: محمد بن حسان بن محمد أبو عبد الله وأبو بكر المغربي الزاهد رجل فاضل مقرىء محدث ولي من أولياء الله تعالى، قدم حلب ونزل بدار الضيافة بالقرب من تحت القلعة، وكان من الموسرين المتمولين ببلاد المغرب فترك ذلك جميعه وخرج على قدم التجريد وحج بيت الله الحرام، ثم قدم حلب ورحل منها إلى جبل لبنان وساح فيه، وقيل إنه مات فيه ولم يذكر وقت وفاته اه.

وقال (يعني ابن أبي طي) في سيرة الملك الظاهر: في السنة التي قتل فيها السهروردي (هي سنة 587) أبطل غازي الجرس من قلعة حلب وكان معلقا كأنه التنور العظيم في ثالث برج من أبراج القلعة من شمالي المنظرة المطلة على حلب، وسببه أنه جلس ليلة للسمر فسمعه فسأل عن ذلك وقال: هذه مملكة الإسلام وهذا من شعار الكفار، فذكر له السبب فقال: عجبا للسلطان نور الدين كيف لم يوفق لذلك، وأمر بإبطاله انتهى [1] .

ثم اتخذ هذا الضرب في القلاع عادة. وأما الضرب الذي يضرب وقت اصفرار الشمس فلأن الخليل عليه السلام كان يتخذ للفقراء طعاما ويجمعهم ذلك الوقت لأكله.

وبقية ما يضرب فيها في الأوقات فهو من اصطلاح الملوك.

وسورها مساحته ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون ذراعا وعدد أبراجها تسعة وأربعون برجا وأبدانها ثمان وأربعون بدنة، هذا ما كانت عليه قديما.

وقال ابن شداد: المساجد التي بالقلعة عدتها عشرة مساجد أولها مسجد النور ملاصق سور القلعة، ومنها مسجد الخضر عليه السلام.

(1) أقول: ما ذكره ابن أبي طي هنا في سبب إزالة هذا الجرس يناقض ما ذكره قبل ذلك من أن إزالته كانت بسبب أبي عبد الله المغربي مع أن ابن أبي طي كان في ذلك الوقت شابا مشاهدا لهذه القصة. وأما السنة التي حصلت فيها وهي سنة 587فلا تناقض فيها والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت