2)إنَّ تفاوتَ القضاء في الوقائع المتقاربة في حدود سلطة القاضي التقديرية، لا يُعدّ تناقضاً عند أهل الشأن المتمرسين من قضاة الشرع، بل وقضاة الوضع، وكذا عند من له معرفة بأمور القضاء من دارسي الشريعة وخريجي كليات الحقوق، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.. وهنا لن أُعرِّج على الثقافة القضائية في الفقه الشرعي المستهدَف من أهل الباطل، ولا بتفاصيل التفريد القضائي ومعايير تحقيق العدالة عند التقدير، فهذا موضوعٌ تخصصيّ يطول الحديث عنه؛ ولكنني أكتفي بذكر بعض ما يتعلقُ بهذا الموضوع في القوانين الغربية التي يركن إليها بعضُ القوم ؛ مُفيداً من مؤلّفات متخصِّصة، ومقالاتٍ علمية بهذا الشأن. وذلك تفريقاً بين (السياسات القضائية العقابية، وتفاوت العقوبات تبعاً لذلك) ، وبين (التناقض في الأحكام الذي يُريد المغرضون الإيحاءَ بأنه صفة من صفات القضاء الإسلامي في بلادنا) .
فربما لا يعلم كَتَبةُ الأفكار وممثلو الأدوار ومن يُصفِّق لهم من تلاميذ المسلسلات: أنَّ النظام القانوني الإنجليزي والنظم التابعة لمدرسته كالأسترالي مثلاً، تُعد أكثرَ النظم توسعاً فيما تمنحُه للقاضي من سلطة تقديرية في تطبيق العقوبة، فلا يقيِّد القاضيَ إلا الحدُّ الأقصى الذي يقرِّره القانون لكل جريمة إن كانت العقوبة مدونة في تقنين أو سابقة.