وأنَّه إذا وجد خطأ خارج هذا الإطار، فليس مردّه السلطة التقديرية التي يُفتَرضُ فيها توخّي العدالة، وإنَّما يرجع إلى أسباب أخرى تمثل انحرافاً عن العدالة المطلوبة في القانون العقلي، وهذا أمر يشهد به أساتذة القانون، من مثل king وradzinowicz إذ قالا:"لقد اتخذ القضاةُ في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وإنجلترا وفرنسا من السلطة التقديرية الممنوحة لهم ذريعةً لإرضاء الرأي العام عند اختيار العقوبة، وقاموا بتوجيه الاستجواب وجهة غالباً ما تكون غير ذات صلة بموضوع الجريمة، ومن ثمّ استُخدمت هذه السلطة كأداة خرجت عن الغاية التي من أجلها مُنحت".
ولكشف ما يرمي إليه الأستاذان، يحسُن أن أذكر أن الدراساتِ الإحصائيةَ التي قام بها متخصصون في مقاطعة نيويورك الجنوبية سنة 1972م، قد أسفرت عن وجود تفاوت في العقوبة، ولو تساوت في النوع، إذ قد تبيّن أنّ الأحكام الصادرة بعقوبة السجن، أطولُ في مدتها تجاه المتهمين السود عن نظرائهم من البيض! في الجرائم نفسها التي يرتكبونها، ومع تماثل ظروف ارتكابها.
3)إن وجود قضاء لا يتفاوتُ فيه تقديرُ العقوبة -تبعاً لبعض المتغيرات المؤثِّرة في العقوبة تخفيفًا وتغليظًا، أو ما يُعرف بظروف الواقعة: المشدّدة أو المخفّفة- هو في الحقيقة قضاءٌ ظالم، والحلم به جهل بالحقائق، وحلم بالظلم.
ولذلك أخفقت محاولاتُ التجاوب المتعدِّدة مع الانتقادات التي وُجِّهت للنظرية القضائية الأمريكية بسبب اختلاف عقوبات الجنايات والجرائم المتشابهة بعد أن اقتُرِح تشريع قانون بعقوبات إجبارية محدّدة بدقة وغير خاضعة لأي تغيير أو تبديل، ومثالُها معاقبة اللصوص جميعاً بالسجن لمدة سنة واحدة، مهما كانت الدوافع والأحوال! ولكن تعدد نوعية السرقات وأحوال اللصوص، واختلاف درجات خطورتها، جعل هذا الحكم فاسدًا من الناحية الموضوعية باعتراف القوم أنفسهم.