و (جمال البنَّا) عبر كلامه هذا يبطلُ الآياتِ التي جاءت بالأمر بالأخذ بالأحاديث؛ لأنَّها وحي يوحى لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال -تعالى-: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] ، ومن الآيات التي تدلُّ على أنّ السنة وحي قول الله -عزَّ وجل-: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164] .
وقد أخرج الإمامُ البخاريُّ عن عبد الله بن مسعود قال:"لعن الله الواشماتِ والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله"، فبلغ ذلك امرأةً من بني أسد يقال لها: أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت! فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن هو في كتاب الله؟ فقالت: لقد قرأتُ ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول، قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه؛ أما قرأت: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ؟ قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه [5] .
وفي هذا الحديث دليل واضح على أنَّ الصحابة -رضوان الله عليهم- استيقنوا بأنَّ السنَّة شارحة للقرآن ومبيِّنة له، استنباطاً منه وأخذاً بقوله -تعالى-: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} .
وأخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن المقدام بن معدي كرب مرفوعا:"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن؛ فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه! ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله" [6] .