فهرس الكتاب

الصفحة 10242 من 19127

إن احتفاظ هذه الأمة بمركزها في العالم لا يمكن أن يكون إلا بالاحتفاظ بالشخصية الإسلامية وبمعرفة رسالتها والإيمان بقيمها، والتركيز على قيمة الآخرة وما بعد هذه الحياة، وإن التركيز على الجانب الروحي والخلقي من الحياة هو الخط الفاصل بين الثقافتين، ثقافة يوافق عليها الإسلام ويتحمل مسؤوليتها ويباركها، وتتجلي فيها الشخصية والأصالة والإتباع، وثقافة يتبرأ منها الإسلام، ويخسر فيها المسلمون، وتتجلي فيها العبودية والرضوخ والاستسلام، لا تعرف منها إلا تقليد الببغاوات، ومحاكاة القرود، والارتجالية، وتبرز مركب النقص، حتى أصبحت هذه الأقطار وكأنها نسخة مشوَّهة من المدنية والثقافة الغربية، وصورة شاحبة لها، لا تسترعي اهتماماً، ولا تحرك مشاعر الإجلال والاحترام، مذبذبين {لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ}

لذلك نراهم يصغرون مقاماً ولا يكبرون، ذلك أن كل تقليد ثقافي بخلاف الإصلاح والتحسين والإبداع لا بد من أن يحقر الأمة ويقلل من شأنها [6] .

والتاريخ، بل والواقع، يحكي لنا صورة حية لدولة مسلمة، سادت العالم فترة ليست بالقصيرة، ولكن عندما انسلخت عن هويتها وثقافتها أصبحت كريشة في مهب الريح، تتقاذفها ريح الشرق والغرب. لقد نسي المسلمون دولة العثمانيين!! وأصبحت تركيا المعاصرة جاثية على عتبة أوروبا منذ ثلثي قرن، تتوسل العضوية، غارقة في التضخم والديون، لقد انسلخت عن ثقافتها الإسلامية ففقدت بذلك كل تراثها وأصبحت تسخر في الحلف الأطلسي، وتُصَدُّ عن الاتحاد الأوروبي، وارتدت بضربة واحدة إلى تخوم البربرية والتخلف من جديد [7] .

إن مصير الأمم المسلمة التي تتخلى عن ثقافتها لن يكون بأفضل حالاً من تركيا الإسلامية التي جمد الغرب قدرتها على التقدم الحقيقي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت