فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والتكرار هو الآخر إشعار بأهمية الأمر وإعظام لشأنه. قال (صلى الله عليه وسلم) : كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا. والحرمة في حياة المسلمين قضية لها من الخطر والجلال ما لها، وتكرار اللفظة إيقاظ الحواس، ولا يغب عن البال ما أضافه تكرار (هذا) في نهاية كل مقطع من إيقاع لفظي زاد من جلال التوكيد جلالاً، وكان له من الواقع ما يحفز النفوس إلى تثبيت والتملي واستيعاب القضية بكل أبعادها النفسية والفكرية، وهذا (( على جانب من التنغيم النافذ إلى الروح، ندركه دائماً في حسن جرسه وتعانق معانيه وتتابع موجاته، يدفع بعضها في نشاط وتشابه ) ) [17] .
ويشير الزمخشري إلى القيمة الفنية والمعنوية في ظاهرة التكرار بأنها (( استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كل خطاب وارد، وطريقة الانصات لكل حكم نازل، وتحريك منهم لئلا يفتروا أو يغفلوا عن تأملهم وما أخذوا به ) ) [18] .
(( وقد بلغت ) ): في هذا المقطع أكثر من دلالة بلاغية.
1 -استخدام (قد) مفيدة التحقيق هو لون آخر من ألوان التوكيد التي تحفل بها كظاهرة معنوية موظفة للتبليغ والتثبيت ولفت الأنظار نحو الأحكام النبوية.
2 -حذف المفعول به:
يقول الإمام عبدالقاهر في بلاغة الحذف وأثره الجميل في تقوية الفكرة.
(( هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فتلك ترى به ترك المذكور أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك انطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بياناً إذا لم تبن ) ) [19] .
إن البيان النبوي قد استغنى عن المفعول به لعمومه، ودلالة ما سبقه عليه من جهة، إذ أنه (( يتناول كل ما يصح أن يدخل تحت هذا الفعل، فليس ذكر البعض بأولى من الآخر ) ) [20] ، ومن جهة أخرى فإن الاهتمام بالفعل هو المراد، أي أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أشهدهم على أنه قام بالتبليغ، إذن الحديث هو الأرجح في الذكر دون غيره من متعلقاته.