ومن أراد حصر العلاقة بين الحاكم والمحكوم في تراب وحصى، واختزالها في أيام يحتفى بها فيها فهو يضعفها ويصدعها، ويفرغها من مضامينها الشرعية.
إن كثيرا ممن يلحون وبقوة من بني يعرب على مسألة الوطنية إنما يريدون أن يحل الانتماء إلى الوطن محل الانتماء للدين تمهيدا لنقل الناس من الإيمان إلى الإلحاد، ومن عبادة الله تعالى إلى عبادة الدنيا، فيما يسمى بالديموقراطية والدولة المدنية التي يتم بموجبها الاتفاق على تقاسم الدنيا، وبناء العلاقات على أساسها، وترك النظر في الأمور الدينية المتعلقة بالآخرة، وإقصائها عن واقع الناس، على غرار ما حصل في الغرب إبان نشوء ما يسمى بحركات التحرر الوطنية التي جُعلت الأوطان فيها بدائل للكنائس، وثار دعاتها على ملوك أوربة ورهبانها، وأعلنوا أن الدين لله وأن الوطن للجميع، وهذه الشعارات الجاهلية يقذف بها كثير ممن يسمون بالمفكرين والمثقفين والصحفيين في أحاديثهم عن الوطنية، ثم رأينا كثيرا ممن يستميتون في إحلال الوطنية محل الدين، ويتباكون في قنواتهم وصحفهم على ضعف الانتماء الوطني لدى الناس، رأيناهم يتصلون بالأعداء من وراء حكوماتهم، ويفشون أسرار دولهم، ويدلون على عورات مجتمعاتهم، ويحرضون الأعداء على بني أوطانهم، ولا يطرحون مما يزعمونه مشاريع إصلاح إلا ما رضيه لهم ملاحدة الغرب، عبر املاءات يملونها عليهم ، بأجور يدفعونها لهم، فيا لها من وطنية خانوا فيها أوطانهم، وجعلتهم مجندين لأعداء أمتهم. ثم رأينا إخوانهم الوطنيين في البلاد القريبة كانوا في مقدمة جيش العدو لاحتلال وطنهم، ولما مكّن لهم العدو في وطنهم الذي خانوه نهبوا ثرواته، وأحلوا الفوضى فيه، ولن يعدوا فعل هؤلاء فعل أولئك لو قدروا وتمكنوا.
ثم رأينا في البلاد القريبة من يتهمهم هؤلاء بأنهم أعداء الوطنية هم من حملوا لواء الدفاع عن الوطن لما احتله العدو الصائل الغاشم، فأي الفريقين أصدق؟ وأيهما كان أكثر انتماء لوطنه؟!