وإذا كنا نتأسى برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الدعاء وقنوت النوازل لأهل غزة، فعلينا أن نتأسى به -صلى الله عليه وسلم- في الصدقة وبذل المعروف وإغاثة الملهوف؛ كما في حديث جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- قال: كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صدر النهار، فجاء قوم حفاة عراة، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعّر (أي تغيّر) وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذّن، وأقام فصلى، ثم خطب فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم...} [النساء: 1] ، والآية في الحشر {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [لحشر: 18] تصدّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع برّه، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة، فجاء رجل من الأنصار بصرّة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيتُ كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتهلل (أي يستنير) كأنه مُذْهبة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء"، أخرجه مسلم .
وقد احتسب العلماء قديماً وحديثاً في جمع التبرعات لأهل الحاجات، ومن ذلك ما فعله علماء الأندلس من حثّ أهل الإسلام على بذل المال لأجل فَكاك الأسرى من النصارى، فهذا أبو عبد الله ابن الحجام (ت 614هـ) يقوم في جامع إشبيلية، ويحث المصلين على الإنفاق في فكاك الأسرى، فتسارع الناس إلى بذل ما عندهم، وخلع كثير منهم بعض ما كان عليه من الثياب..
وإذا كان الغرب قد نعق بـ"الفوضى الخلاّقة"، فنحن ندعو إلى القوة المُحكمة والمنضبطة.