ونسب جمهور الأطباء قديماً جميع الرؤى إلى الأخلاط، فقالوا: من غلب عليه البلغم رأى السباحة في الماء، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو، وهكذا يصنعون في بقية الأخلاط [27] .
وأثبت الأطباء حديثاً أن الرؤى تنجم عن إثارات جسمانية وحسية، تأتي إلى النائم من العالم الخارجي ومن أعضائه الداخلية على حد سواء [28] .
فأثبتوا قسماً من الرؤى بسبب تأثيرات الأعضاء الداخلية في الجسم.
فهذه الأقوال وما في معناها في دلالاتها على أن الرؤى والأحلام تعود لأسباب داخلية في جسم الرائي يمكن قبولها مع ملاحظة أمرين:
الأول: عدم تعميم هذا في كل الرؤى؛ إذ ليست جميع الرؤى من هذا القبيل، بل يقال: إن نوعاً من الرؤى يرجع لأسباب داخلية في جسم الإنسان، وهناك أنواع من الرؤى لها أسباب أخرى.
الثاني: عدم إضافة الرؤى التي من هذا القبيل إلى المؤثرات الجسمية، بمعنى أن يعتقد أن تلك المؤثرات صنعت تلك الرؤى، فهذا مما يخالف الاعتقاد بأن الله سبحانه هو الخالق لكل شيء، والصحيح أنها مجرد أسباب خلق الله عندها هذا النوع من الرؤى.
قال المازري [29] :"وهذا مذهب وإن جوزه العقل، وأمكن عندنا أن يجري الباري جلت قدرته العادة بأن يخلق مثلما قالوه عند غلبة هذه الأخلاط، فإنه لم يقم عليه دليل ولا اطردت به عادة، والقطع في موضع التجويز غلط وجهالة، هذا لو نسبوا ذلك إلى الأخلاط على جهة الاعتياد، وأما إن أضافوا الفعل إليها، فإنا نقطع بخطئهم، ولا نجوز ما قالوه؛ إذ لا فاعل إلا الله سبحانه".
ثانياً: الأحلام ناتجة عن مؤثرات خارجية.
يعتقد ديموقريطس [30] أن الأحلام تتعلق بأشياء تدور في الفضاء، وعند محاذاتها لنفس النائم فإنها تهاجمها وتنتقش فيها [31] .