فهرس الكتاب

الصفحة 11190 من 19127

ولما كان أبو عُبَيْدَة - رضيَ الله عنه - مجاهدًا حاثًّا على الجهاد؛ كان متقلِّلاً من الدنيا، همُّه الآخِرة، لا يدَّخر شيئًا من المال، فقد أرسل عمر إلى أبي عُبَيْدَة بأربعة آلاف درهم أو بأربعمائة دينار، وقال للرَّسول:"انظر ما يصنع بها، قال: فقسمها أبو عُبَيْدَة، ثمَّ أرسل إلى معاذ بمثلها، وقال للرَّسول مثلَ ما قال، فقسمها إلا شيئًا يسيرًا، قالت له امرأته: نحتاج إليه، فلما أخبر الرسول عمر قال: الحمد لله الذي جعل في الإسلام مَنْ يصنع هذا" [14] .

لقد كان أبو عُبَيْدَة - رضيَ الله عنه - زاهدًا في الدنيا، وكان زهده حقيقةً لا تصنُّعًا وتكلُّفًا، وليس زهدًا من قلَّة، بل عن غنىً وجِدَةٍ وسَعَةٍ؛ فلقد كان أمير الشام لعمر بن الخطاب - رضيَ الله عنه - وقدم عمرُ إلى الشام لتفقُّد أحوال الناس، فقال لأبي عُبَيْدَة:"اذهب بنا إلى منزلكَ. قال: وما تصنعُ عندي؟ ما تريد إلا أن تُعصِّر عينيك عليَّ! قال: فدخل، فلم يَرَ شيئًا. قال: أين متاعُكَ؟ لا أرى إلا لِبْدًا وصَحْفَةً وشَنًّا، وأنت أميرٌ؟! أعندكَ طعامٌ؟ فقام أبو عُبَيْدَة إلى جَوْنَةٍ، فأخذ منها كُسَيْرَاتٍ؛ فبكى عمر، فقال له أبو عُبَيْدَة: قد قلتُ لكَ: إنك ستعصِّر عينيكَ عليَّ يا أمير المؤمنين، يكفيك ما يبلغك المقيل. قال عمر: غيَّرتنا الدنيا كلَّنا غيركَ يا أبا عُبَيْدَة" [15] .

فيا لروعة تلك النفوس العظيمة التي ملكها أصحابها، فخطموها وألزموها كتابَ الله تعالى وسنةَ رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلم يكترثوا بالدُّنيا وقد حُطَّت عند أقدامهم، وتملَّكوها بأيديهم؛ وبذلك دانت لهم الأرض، وفتحوا البلدان.

فاللهم ارضَ عنهم وأرضهم، اللهم إنا نُشْهِدُكَ على محبَّة أصحاب نبيكَ - صلَّى الله عليه وسلَّم - اللهم إنا نتقرَّبُ إليك بذلك، ونتقرَّبُ إليك ببغض من أبغضهم، فارضَ اللهم عنهم، واحشرنا في زُمْرَتهم، واجمعنا بهم في دار النعيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت