فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الثّالث: أنّه شيءٌ يستفاد من التَّجارِب، فيُطْلق على العلوم المستفادة من التَّجرِبة حتّى إنَّ من لم تحنِّكه التَّجارِب بهذا الاعتبار لا يسمَّى عاقلاً، والعلوم المستفادة بالتَّجرِبة فرع الغريزة، وبعض العلوم الضَّروريَّة.
الرّابع: أنّه جمْع العمل إلى العلم، فيطلق على العلم والعمل به.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله-:"والمقصود هنا أنَّ اسم العقل عند المسلمين وجمهور العقلاء إنَّما هو صفة، وهو الذي يسمَّى عَرَضًا قائمًا بالعاقل، وعلى هذا دلَّ القرآن في قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [16] . وقوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [17] . وقوله: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [18] . ونَحو ذلك ممَّا يدلُّ على أنَّ العقل مصدر عَقَلَ يَعْقِل عَقَلاً، وإذا كان كذلك، فالعقل لا يسمّى به مجرَّد العلم الذي لم يعمل به صاحبه، ولا العمل بلا علم، بل إنّما يسمّى به العلم الذي يعمل به والعمل بالعلم، ولهذا قال أهل النَّار:"
{وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [19] . وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} .
والعقل المشروط في التَّكليف لابدَّ أن يكوِّن علومًا يميِّز بها الإنسانُ بين ما ينفعه وما يضرُّه؛ فالمجنون الذي لا يميِّز بين الدَّراهم والفُلوس، ولا بين أيّام الأسبوع، ولا يفقه ما يقال من الكلام - ليس بعاقل. أمَّا من فَهِم الكلام وميَّز بين ما ينفعه وما يضرّه فهو عاقل"."
فالعقل بهذا الاعتبار ما ينظر به صاحبه في العواقب، ويقْمَع به الشَّهوات، وهذا هو النِّهاية في العقل والثَّمرة الأخيرة، وهو المراد بقول القائل:
"إِذَا تَقَرَّبَ النَّاسُ بِأَبْوَابِ البِّرِّ، فَتَقَرَّبْ أَنْتَ بِعَقْلِكَ [20] ."