فهرس الكتاب

الصفحة 11415 من 19127

ونُوقش: أنَّ العقل يَفِيض إلى الرَّأس، كما يَفِيض إلى سائر الحواسِّ، فصحَّ أن يُقال: هذا ثقيل الرَّأس، وهذا في دماغه عقلٌ. وصحَّ أن يقال: هذا فارغ الرأس، وهذا ليس في دماغه عقلٌ لحُصُول الجفاف لمَّا لم يَفِضِ العقل إلى الرَّأس [56] .

ويُجاب عن هذا بأنَّ التَّسليم بإفاضة العقل إلى الرأس دليلٌ على تعلُّق العقل بالدِّماغ، ويعني أنَّ العقل ليس في الدِّماغ، فعلم أنَّه في القلب وأنَّه ينتهي إلى الرأس بالإفَاضَة.

الدَّليل الثَّاني:

أنَّ الإنسان لا يزول عقله لو ضُرِب على غَير رأسه، أمَّا إذا اختَلَّ رأسه أو ضُرب عليه فَسد عقله، وبَطِلت العلوم والأنظار والفكر وأحوال النَّفس، وإن كان قلبه سليمًا، وأنَّ القلب قد يَمرض ويَبقى العقل سليمًا، ولو كان مَحَلّه القلب لتأثَّر العقل بمرض القلب [57] .

ونوقش: الاحتجاج بأنَّ العقل يزول بالضَّرب على الرَّأس دون غيره بعدم التَّسليم، فإنَّ الوسائل التي يزول بها عقل الإنسان كثيرةٌ، فكما أنَّه يزول بضرب الرَّأس يزول كذلك بالتَّرويع، ويزول بقطع عضو من أعضاء الجسم، ولم يقل أحدٌ: إنَّ العقل في ذلك العضو المقطوع [58] .

ونوقش: أيضًا بأنَّ ضرب الرَّأس لا يمنع زوال العقل، وهو في القلب بفساد الدِّماغ؛ لما بينهما من الارتباط [59] .

كما نُوقش: بأنَّ استقامة الدِّماغ شرْطٌ في حصول أحوال العقل والقلب على وجه الاستقامة، والشَّيء قد يفسد لفساد محلِّه، وقد يفسد لفساد شرطه، ومع الاحتمال فلا جزم، ويُصار إلى النُّصوص [60] .

كما أنَّ وجود الصِّلة بين القلب والدِّماغ، وما للدِّماغ من أثر على التَّصوُّر والوعي لا يعني لُزوم أن يكون مَحَلُّ العقل والتَّصرُّف في البدن والتَّحكُّم فيه هو المخَّ.

أمَّا ما يتعلَّق بمرض القلب مع بقاء العقل سليمًا؛ فلأنَّ العقل قوَّةٌ معنويَّةٌ، وليس قوَّةً حسِّيَّةً؛ ولذا لا يؤثِّر فيه المرضُ الحسِّيُّ الذي حلَّ بمحلِّه وهو القلب [61] .

الدَّليل الثَّالث:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت