(ب) أن يعود العقل قبل أن يسلِّم الجاني الدِّيَة فلا يَجب عليه شيءٌ.
وقد بيَّن ذلك العلماء - رحمهم الله تعالى - واعتبروا لوجوب الدِّية في ذَهَاب العقل أن يُؤْمَنَ من عَوْده وإلَّا فلا تجب الدِّيَة، ومثل العقل السَّمع، والبصر، والشَّم، وشعر الرَّأس، والكلام، والذَّوق، واللَّمس، والمشي ونحو ذلك [121] .
المبحث الرَّابع: دِيَة ذَهَاب بعض العقل:
وفيه مطلبان:
المطلب الأوَّل: نقصان العقل وزيادته:
لم يتَّفق العلماء على القول بتفاوت العقل وقابليَّته للزيادة والنُّقصان، ويمكن عرض الخلاف في قولين:
القول الأوَّل: ويقضي بأنَّ العقل يتفاوت ويزيد وينقص، فمن الناس من يكون عقله كثيرًا، ومنهم من يكون عقله قليلاً، وبه قال بعض الحنابلة [122] ، وأبو حامد الغزَّاليُّ فيما عدا العقل بمعنى بعض العلوم الضَّروريَّة [123] .
القول الثّاني: أنَّ العقل شيءٌ واحدٌ في جميع الناس لا يزيد ولا ينقص، وبه قالت الأشعريَّة، والمُعْتزِلَة [124] ، وبعض الحنابلة [125] .
الأدلة والمناقشات:
أولاً: حُجَّة القائلين بأنَّه شيء واحد لا يزيد ولا ينقص:
الدليل الأوَّل:
أنَّ العقل هو بعض العلوم المعلومة بالضَّرورة؛ كالعلم باستحالة اجتماع الضِّدَّين، والعلم باستحالة كون الجسم في مكانين، والعقلاء في هذا متساوون، وهذا يدلُّ أنَّ العقل واحد [126] .
ونوقش: بأنَّ العقلاء في هذا الأمر متساوون، لكن من كان عقله كثيرًا فإنَّه يَتَدبَّر دقائق العلوم، ويتفكَّر في الأشياء بقوَّة عقله، وليس هذا لمن دونه، فإنَّه ليس كلُّ الأجسام تظهر، ولا كلُّ ضدٍّ يُعرف، فيحصل الاختلاف ويكون التّفاوت [127] .
الدّليل الثّاني:
أنَّ العقل لو تفاوت لأدَّى ذلك إلى أنَّ بعض العقلاء لا يستقرُّ له أمرٌ، ولا يصلح له شأنٌ، لأنَّه لا يتفكَّر في غوامض الأمور.