وهذه الطريقة مَحَلُّ نظر؛ لأنَّ الإنسان مهما كان عاقلاً فإنَّه يُخطئ، ومن ثَمَّ؛ فإنَّ في إيجاب قِسْط الزائِل بحسب هذه النسبة جَوْرًا على من وجبت عليه الدِّيَة وإضرارًا به. وفي المقابل فإنَّ الإنسان مهما كان مَجنونًا فإنَّه قد يصيب، واحتساب هذا الصواب جَوْر في المجنيِّ عليه. والوقوف على الخطأ الحقيقيِّ والصَّواب الحقيقيِّ منه غير ممكن. ولا يمكن أن نحمل الخطأ المتوقَّع حال الصواب على المتوقَّع حال الخطأ؛ لأنَّه يتفاوت ويختلف من شخص إلى آخر، ولا سبيل إلى العلم به.
وقد أشار الفقهاء إلى اعتبار قول أهل الخبرة العدول في ضرب أمد لعود العقل والانتظار تبعًا لذلك، ومن هنا فإنَّه يمكن أيضًا القول بالرجوع إلى أهل الاختصاص في الطِّبِّ واعتبار أقوالهم في حساب نسبة الزائل إذا أمكنهم حساب ذلك.
ثانيًا: أن يكون قدْر النَّقص مَجْهولاً. ومثاله: أن يصير مدهوشًا، أو يفزع ممَّا لا يُفْزَع منه، أو يَسْتَوْحش إذا انفرد، أو إذا سَمِع صيحةً زال عقله ثُمَّ يعود [136] . فتجب فيه حُكُومة، وهذا هو الذي ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفيَّة والشَّافعيَّة والحنابلة [137] ؛ لأنَّه تعذَّر إيجاب جزء مقدَّر من الدِّية فُعِدل إلى الحكومة.
ويرى المالكيَّة فيما لو ذهب بعض العقل أنَّ على الجاني من الدِّيَة بحساب ما ذهب، ولم يفرِّقوا بين ما إذا عُلِم النَّقص أو لم يُعْلَم [138] ، وهو قولٌ بعيدٌ فيما يظهر؛ لتعذُّرِ حساب ما نقص في هذه الحالة.
المبحث الخامس: إنكار الجاني زوال عقل المجنيِّ عليه: