إذا أنكر الجاني زوال عقل المجنيِّ عليه ونَسَبَه إلى التَّجانُن وافتعال الجنون؛ فإنَّ المجنيَّ عليه يُرَاقب في مواطن خَلَواته من حيث لا يشعُر؛ لأنَّه في الغالب لا يُعْرف ذَهَاب عقله من عوده إلَّا من ذلك، ولابدَّ من تَكرار الخَلَوات. والمراد أنَّه يُخْتَبر بما يغلب على الظَّنِّ عدم التَّحيُّل والتَّصنُّع فيه، ويُستغْفَل فيها ونطَّلع عليه بحيث لا يشعر بنا هل يفعل أفعال العقلاء أم غيرهم؟
ويَحْتمل أن نجلس معه فيها، ونُحادثه ونُسايره في الكلام، ونَنْظر خطابه وجوابه، فإن كانت أحواله مُستقيمةً مُنْضبطةً، صُدِّقَ الجاني، وعليه يمينٌ لأنَّه يحتمل أن تكون الأحوال المستقيمة صادرةً منه اتِّفاقًا وجَرْيًا على العادة فوافقت المراقِب.
أمَّا إذا كانت أحواله في أقواله وأفعاله غير مُنْضَبطة وجبت الدِّيَة، وليس على المجنيِّ عليه يمينٌ؛ لأنَّه غير مؤهَّل، ولأنَّ يمينه تُثْبت جنونه [139] .
ويمكن أن يُستفاد من أقوال أهل الطِّبِّ والخبرة والاختصاص إذا أمكن الوقوف على حال المجنيِّ عليه من خلال الوسائل والمُكتَشَفات التي يَثْبُت بها صدقه أو كذبه إذا لم يطْرُقها الاحتمال.
والعِلْم عند الله، وصلَّى الله وسلَّم وبارَك على رسول الله محمَّد بن عبدالله خير خلق الله، وعلى من سار على هداه إلى يوم الدِّين.
ــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الجامع لأحكام القرآن للقُرْطُبيِّ: 10/294.
[2] رَوْضَة العقلاء ونزهَة الفُضَلاء لابْن حِبَّان: ص17. وأورَده الماورْدِيُّ في أدَبِ الدُّنيا والدِّين"ص17، 18، وعزَاه للشاعر إبْرِاهيم بن حسَّان، وترتيب الأبيات مختلِف ومعها غيرها. وصدْرُ البيتِ الثالث هكذا: يَعِيشُ الفَتَى بِالعَقْلِ فِي النَّاسِ إِنَّهُ."
[3] الموافقات: 2/8.
[4] لسان العرب: 15/383، مادة (وَدَى) ، والمصباح المنير: 2/813 مادة (وَدَى) ، والقاموس المحيط: 4/399 مادة (الدِّية) .