فهرس الكتاب

الصفحة 11507 من 19127

ومن الناس من يدعُ العملَ استهانةً به واحتقاراً له، كما كان الحالُ عند كثير من العرب الذين يحتقرون الحرف والعمل اليدوي، وقد بدّل الإسلام هذه المفاهيم المغلوطة، ورفع من قيمة العمل أياً كان نوعُه، وحقر من شأن البطالة، وجعل النبيُّ جمعَ الحطب وبيعَه خيراً للمرء من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه.

ومن الناس من يدع العمل لأنه لم يتيسر له في بلده ومسقط رأسه وموطن أهله وعشيرته، ويرضى بالبطالة والفقر بدلاً من الهجرة والضرب في الأرض والسفر مع السعة والغنى، فإن هؤلاء قد حثهم الإسلام على الهجرة، وشجعهم على الغربة، وبين لهم أن أرض الله واسعة، وأن رزق الله غير محدد بمكان ولا محصور في جهة، قال تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100] ، وقال تعالى: {وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل: 20] .

وعن عبد الله بن عمرو قال: توفى رجل بالمدينة ممن ولدوا فيها، فصلى عليه رسول الله وقال:"ليته مات في غير مولِدِه"، فقال رجل: ولِمَ يا رسول الله ؟ قال:"إن الرجلَ إذا مات غريباً قِيسَ له من مولده إلى منقَطَعِ أثرِه في الجنة".

وقد انطلق المسلمون الأوائلُ على هدى هذه الأحاديث في فجاج الأرض؛ ينشرون الدينَ، ويلتمسون الرزقَ، ويطلبون العلم، ويجاهدون في سبيل الله.

ومن الناس من يركن إلى البطالة اعتمادًا على أخذه من الزكاة أو غيرها من الصدقات والتبرعات التي تجيء إليه من الآخرين بغير تعب ولا عناء، وفي سبيل ذلك يستبيحُ المسألةَ مع قوة بنيته وسلامة أعضائه وقدرته على الكسب، فالإسلام يحارب هذه الفئة، ولا يقرر لها أي حق في الزكاة ولا في غيرها من الصدقات ما داموا أقوياء مكتسبين أو مستطيعين للكسب، ولذلك قال النبي:"لا حظ فيها -أي في الزكاة- لغني ولا لقوي مكتسب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت