فهرس الكتاب

الصفحة 11587 من 19127

وقد مَرِضَ مَرَضَ الموت، وأحسَّ باقتراب أَجَلِهِ؛ فتَوَقَّعَ أن يُكْتَبَ عنه بعضُ ما لا يُرضِيهِ، ورأى أن تكون جريدة"المقطَّم"بين الجرائد لسانَ الثَّناء عليه.

وقبل وفاته بيومين، دعا كبار المحرِّرين بالجريدة، وطلب منهم أن يُعِدُّوا كلماتِ الرِّثاء، ليتأكدَ مما يقولون!!

وكان الموقف يدعو إلى تَرْضِيَةِ الراحل؛ فأُعِدَّت الصَّفحاتُ الخاصةُ بالنَّعي على نحوٍ يُرضي المريضَ المحتضِرَ؛ إذ جُلِّلتِ الصَّفحاتُ بالسَّواد، وفي أعلى الصحيفة الأولى من"المقطم"الصَّادر في 17/12/1951 بالخطِّ العريض: (فجيعةُ مصرَ والشَّرقِ في وفاة المرحوم الدكتور فارس نَمِر باشا) ، وفي الصَّدْر صورته الكبيرة، مع مقالٍ تحت عنوان: (أسرة تحرير"المقطم"تبكي عميدها) ، ومقالٌ آخَرُ تحت عنوان: (ترجمة حياة فقيد العلم والصَّحافة) ، ومقال حارٌّ مؤثِّرٌ للأستاذ الكبير (وديع فلَسْطِين) .

وانتقل الحديث إلى صفحاتٍ داخليةٍ، كلُّها تمجيدٌ للرَّاحل، وقد قرأ (فارس نَمِر) في لحظاته الأخيرة كلَّ ما أُعِدَّ، ولكنَّ هذا كلُّه شيءٌ، وما قاله التاريخ عن الرجل شيءٌ آخَرُ!

لستُ أريدُ أن أشير إلى سيرة (فارس نَمِر) ، ولكني أقرأُ ما كُتِبَ عن جريدة"المقطَّم"في كُتُب مستقلة، فأراها كانت شَوْكَةً في جنْب مصرَ المستعمَرة، والذين يروْنَ أن مهادنة الاستعمار ضرورةٌ التجأ إليها أمثال (فارس نَمِر) : ينسون أن المهادنة شيءٌ وتبرير الطغيان شيءٌ آخَر، وأنه لا يستوي في مَنْطِق الحقِّ كاتبٌ مخلصٌ كافحَ العدوَّ، وتعرَّض للنَّفي والسَّجْن والاضطهاد، وحُورِبَ في رزقه وأهله، مثل الشيخ (عبد العزيز الجاويش) ، وكاتبٌ يملك الضِّياع الواسعة، والعَقاراتِ المتعدِّدةَ؛ لأنه يتمتع بنفوذ الغاصبين، ويحارب المخلِصين من رجال الوطن العزيز!

إن كل ما أعنيه في هذا المجال: أن أَعُدَّ (فارس نَمِر) ممن قرؤوا بعض ما يقال عنهم بعد الرَّحيل، وذلك بتدبيرٍ حصيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت