فإلى أمَّة الإسلام، وإلى المجتمعات المستغيثة من غوائل الفقر وشروره، التي يجرها لخراب العالم ومعموره، إن كنتم تشفقون على نَعيم عَيشكم من البؤس والبؤساء، وتدرؤون عن جمال حياتكم دمامة الفقر والفقراء، فاقتحموا على الفقر مكامِنَه في الأكواخ والأعشاش، ولكن بعينٍ واكفةٍ وفؤاد بالرحمة جَيَّاش، ثم قيِّدوه بالاكْتِنان في إيتاء الزَّكاة وسائر القُرُبات، كالصَّدقات الجاريات، والأوقاف السَّاريات، والهبات الباقيات، والكفالات الواقيات.
إِنِّي أَرَى فُقَرَاءَكُمْ فِي حَاجَةٍ لَوْ تَعْلَمُونَ لِقَائِلً فَعَّالِ
وَجَزَاءُ رَبِّ الْمُحْسِنِينَ يَجُلُّ عَنْ عَدٍّ وَعَنْ وَزْنٍ وَعَنْ مِكْيَالِ
واغرسوا حبَّ ذلك في قلوب النَّاشئة؛ تكن منكم بإذن الله أمَّة متراصَّةُ البناء، على قلب الأودَّاء، تقطع مراحل الحياة رافهةً مطمئنة، لا يمسها عناءٌ ولا نَصَب، ولا يرهقها عَوَزٌ ولا تعب، حينئذٍ لن تروا - بإذن الله - عينًا تحسد، ولا قلبًا يحقد، ولا يدًا تجترح وتفسِد، ولا تكادون ترون في البيوت عائلًا، ولا في السُّجون قاتلًا، ولا في الطُّرقات متسوِّلًا ولا سائلًا، جاعلين قاعدة التكاتُف والتكافل طيلسانَ بُرُدكم، أينما يَكُنِ العَيْش الكريم يَكُنِ الأمن والسَّلام، والحبُّ والودُّ والوئام.
إخوة الإيمان:
ومن فئات المجتمع الذين كلأتهم الشَّريعة بعين أحكامها، وضَمَّخَتهم برُداعِ لُطفها وحنانها، ولهم في قلوبنا والمسلمين مكانة أَثِيلَة، فئةٌ فقدت حنان الأبوَّة المشفِقة الحادِبَة، ولَوَّعهم فقدُ الأمومة الحانية ووجدانِها الدافق بمشاعر الحب الحالم الجذلان، فباتوا في مَسيس الحاجة إلى مرفإِ حبِّكم ولطفكم وحنانكم وعطفكم ومَهدكم المفعَم بالرَّحمة والرِّفق والسُّلوان، تواسون جفونهم القريحة، وتؤاسون قلوبهم الجريحة، تلكم هي فئةُ أحبَّتنا الأيتام، رحم الله يُتْمَهُم وعوَّضهم بمن فقدوه خيرًا.