ودخل أخوها عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي صلى الله عليه وسلم وهي مسندته إلى صدرها ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به فأبَّده رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره قالت رضي الله عنها: (فأخذت السواك فقضمته ونفضته وطيبته ثم دفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستن به فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استن استنانا قط أحسن منه - وكان بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت سكرات، ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده - وفي رواية: فما عدا أن فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يده أو إصبعه ثم قال: في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى، ثم قضى، وكانت تقول: مات بين حاقنتي وذاقنتي) قالت: (فخرجت من فيه نطفة باردة فوقعت على ثغرة نحري فاقشعر لها جلدي فظننت أنه غشي عليه فسجيته ثوبا) قالت: (فلما خرجت نفسه لم أجد ريحا قط أطيب منها) ، (وسجي صلى الله عليه وسلم بثوب حِبَرَةٍ) ومات خير البرية، وأزكى البشرية، خاتم الأنبياء والمرسلين، وكانت المصيبة به أعظم المصيبة عند المؤمنين، ووقع قول الله تعالى {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزُّمر:30] فصلوات ربي وسلامه عليه صلاة وسلاما دائمين ما تعاقب الليل والنهار، والحمد لله على كل حال، اللهم أجرنا والمسلمين أجمعين في المصيبة به، واخلف لنا خيرا منها، واحشرنا في زمرته، وأوردنا حوضه، وأسقنا بيده الشريفة كأسا لا نظمأ بعدها أبدا، وارزقنا مرافقته في الجنة، آمين يا رب العالمين، وأقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم...
الخطبة الثانية