إني رأيتُك في جُوبا
عَبَقًا منَ الغاباتِ
يَرفُلُ في الفَضاءْ
شَمسًا تَزوَّجَتِ الضِّياءْ
وأَنجَبَتْ في التَّوِّ
خَطَّ الاستِواءْ
جاؤُوكِ من كلِّ الدِّياناتِ القَديمَة
بالطُّقُوسْ
وسَقَوكِ من خَمرٍمُعَتَّقَةِ الكُؤُوسْ
وفَقَدتِ رُشْدَكِ
حينَ دَقُّوا الطَّبلَ
واهْتَزَّ الحُبُورْ
وتَمايَلَ الأَبَنُوسْ
ساعَةً للرَّقْص
وأُخْرى للكُجُورْ
فالشاعر صوَّر (جُوبا) من الخارج وطنًا يلبَس ثوب الحياء الذي هو شعبة من الإيمان، وإذا كان الحياء يزين الإنسان أيًا كان، فإنه من أخصِّ صفات المرأة، وهو بالمرأة المسلمة أخلق، وبذلك أضفى الشاعر على هذا الجزء المتنازَع عليه من الوطن ثوبًا إيمانيًا خالصًا إذا عرفنا أن النساء غير المسلمات في الجنوب لا يأبهن بهذا الموضوع بحُكم تعاليم الديانات غير الإسلامية المنتشرة فيها، والتي أشار إليها الشاعر (الديانات القديمة، وسقوك من خمر، وفقدت رشدك..) .
وينتقل الشاعر إلى وصف مأساة الحرب في الجنوب التي لا تفرِّق بين (ملوال) و (دينق) و (أحمد) فيقول واصفًا تمايل (الأبنوس) في غابات (جُوبا) :
لتُغنِّي بِالحِكاياتِ الحَزينَةْ
بشَجِيِّ الصَّوتِ يَغلِبُه البُكاءْ:
ماتَ (مَلْوالُ)
وقد كانَ صَبيًّا
كوُرودِ الغابةِ العَذْراءْ
قد تغَشَّتنا رُؤاكِ
بالخِياراتِ العَصِيَّة
يا ابنَ (دِينق)
ماتَ (مَلْوالُ) و (أحمدُ) والبَقيَّة
هِيَ في طَريقِ المَذبَح
المَمْهورِ بالدَّمِ والقَضيَّة
فالشاعرُ هنا لا يفرِّق بين انتماء وانتماء في المعاناة الإنسانية، لأن الإسلام جاء للإنسان، لذلك يقدِّم للجميع حلاًّ واحدًا هو الشرب من كأس الأنبياء الذين حملوا رسالةَ السماء إلى الأرض:
ماذا عَلَينا
لو تَجَرَّعْنا بِكأسِ الأَنبياءْ
حِكمَةَ التَّوحِيدِ
مُرَّ الصَّبرِ
أَخبارَ السَّماءْ
لنُغَنِّي للخِياراتِ الذكيَّةْ
حَبَّةُ القَمحِ سِلاحًا
فَوقَ وَجهِ البُندُقِيَّةْ