فهرس الكتاب

الصفحة 1184 من 19127

ونحسُّ بارتفاع حرارة أشواق الشاعر في نداءاته لأمِّه بأنها نهايةٌ للصبر، ويَنبوعٌ للحب، وطينةٌ للقُوت. وهذه الثلاث هي الذَّخيرة التي يحتاج إليها الشعبُ السودانيُّ في مسيرته للخُروج من أزمته: الصبر، والحب، والقوت.

الشوقُ الذي يعيشه الشاعر (بلا تحجيم) يدفعُه إلى عالم اللاشعور ليحقِّق فيه التواصلَ المباشر مع الأسرة الكريمة، فينقلنا إلى عالم الحلُم، قائلًا:

بالأَمسِ رَأيتُكِ عندَ النَّومِ غِطاءْ

جَليدُ البَردِ يُحاصِرُني

وذِئابُ الغابِ تُقاتِلُني

ووَحْشَةُ دَربي تُقْلِقُني

نادَيتِ بإِصْبَعِكِ الحُكَماءْ

أَسقُوهُ رَحيقَ الوَطَنِ شِفاءْ

رائِحَةَ الطِّينِ

وعَبَقَ النَّد

وفَوحَ الحِنَّاءْ

أَحسَستُ سَكينةَ مَن وَصَلوا بعدَ الإِعْياءْ

وجَلَستُ بمجلِسِكُم

"يَس"الذِّكرْ

آياتُ الفِكرْ

خُطُواتُ العِطرْ

تُرقي المِسكينَ وتَحفَظُهُ

ببِلادِ العُهْر

ونجد في كلمات الرؤيا ارتفاعَ وتيرة الشعرية مع ارتفاع حرارة الشَّوق في التعبير عن حال الشاعر في غُربته البعيدة في بلاد (العُهر) ، فهل كانت رؤياه حُلمًا حقيقيًا كما فسَّر (يوسف) عليه السلام رُؤيا الملك، أم أنها أضغاثُ أحلام كما قال (الملأ) من حاشيةِ الملك ؟

وعندما نقرأ وصفَهُ الأمَّ (زَنُّوبَة) بنت حَكيم التي تُنادي (بإصبعها الحكماء) فيكون رُقية المريض قراءة سورة"يس"في المجلس، و التكملة (والقرآن الحكيم) ، فنكتشف من ذلك دلالات الكلمات في رُؤيا الشاعر، فزَنُّوبَة الأمُّ هي الوطن، والحكماء هم العلماء، والشاعر هو الإنسان السوداني، وشفاؤه من مرضه وحصنُه الحصين أن يدخلَ في الذكر والفكر من بوابة (القرآن الحكيم) .

وفي مقطعٍ ثالث يواصل الشاعرُ السفرَ بشوقه المقيم إلى أخيه الأصغر (الزين) الذي يمثِّل الشبابَ السوداني، ولكن السفرَ يأتي هذه المرة على سطور رسالة تصله من أخيه (الزين) ، فيقرأ في السطر الأول:

أطراك

لا يَنقُصُنا سِوى رُؤياك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت