لنضع في اعتبارنا أننا نتكلم عن مجتمع قبلي، الناس فيه متلاصقة، ويعرف بعضها بعضاً بصورة جيدة، وأعمالهم لا تشغل كل وقتهم، وهو ما يعطي فرصة أفضل لأن يدرس الإنسان من يعيشون حوله من الأقرباء، وهذا يسمح بتكوين رؤية واضحة لشخص ولد بينهم، وكبر حتى بلغ سن الأربعين، حتى إن سادة قومه الذين عادوه لا يُذكر لهم عداءٌ معه قبل الرسالة قط.
ويسترعي انتباهنا أنه - صلى الله عليه وسلم - كان قبل البعثة كثير الصمت، طويل التأمل؛ ولذا لم يكن مجادلاً، وهذا يوحي بأن هناك شيئاً ما يختمر في ذهنه - كعادة المتمردين على الواقع - ثم إن عدم جداله ينفي عنه شبهة حب الظهور والتفرد؛ فلم يكن يجادل أهله في الأشياء التي عَافها، ومن ضمنها الاحتفال بالأصنام، وكان حاله إذا وجد أهله يسارعون إلى خير سارع معهم، وإذا سارعوا إلى ما يكره تركهم وشأنهم.
أما بعد البعثة فكان - هو نفسه - نموذجاً للسلوك والخلق الذي يدعو إليه، الصدق والأمانة، والرحمة والتواضع، والإيثار والكرم، وعفة اللسان والحلم، هذا لمدة 23 سنة بعد البعثة، وشريحة الصحابة القريبة منه - للتعلم - كانت شريحة كبيرة، وشاهدوه في بيعه وشرائه، وأحلافه واتفاقياته وحروبه، وأكله وشربه.
ولنضع في اعتبارنا أن العرب لم تكن كأمم الشرق المغرقة في الروحانيات، وإضفاء القداسة على إنسان أو شجرة أو كوكب أو ثعبان، بمعنى أنه لم يكن عندهم حس روحي عالٍ يسمح لأحد بالتأثير فيهم، ويفقدهم قدرتهم على النظرة النقدية،كانوا قوماً على الفطرة يرون الأشياء على حقيقتها، حتى إيمانهم بالله قبل البعثة كان قائماً على منطق استدلالي يسير"الموجود يدل على الواجد".