فهرس الكتاب

الصفحة 11989 من 19127

لقد كانت بيوت محمد صلى الله عليه وسلم غاية في البساطة والتواضع، ضيقة لا تكاد تتسع له ولزوجاته، خاوية مقفرة تفتقر إلى الضروريات فضلاً عن الكماليات. وكذلك الحال بالنسبة لطعامه وشرابه، حتى إنَّ نساءه سألنه ذات مرة زيادة النفقة، فخيرهنَّ بين البقاء معه والرضى بحياة الكفاف التي اختارها لنفسه وبين الطلاق، فاخترنه دون تردد، وهذه زوجته عائشة رضي الله عنها تروي لعروة ابن أختها عن شظف العيش في بيوت الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، تقول: (ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نارٌ، فقلت: يا خالة ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان، التمر والماء) [126] . بالله عليك هل هذه معيشة رجلٍ شهواني ينشد اللذات ويعكف عليها، وهو قادرٌ لو شاء أن يعيش عيشة الملوك وخاصة بعد أن توطدت أركان دولته واتسعت رقعتها، ولكنه اختار حياة الكفاف، ليس تحريماً للطيبات، فالإسلام يحلها، وينكر على من حرمها، ولكن مواساة لأصحابه وكان جلهم من الفقراء، وحذراً من التعلق بالدنيا والاستغراق في اللذات والغفلة عن الباقيات!؟. ثمَّ لو كانت النساء الجميلات غاية محمدٍ صلى الله عليه وسلم وما يصبو إليه، لقبل عرض قريش في أول طريقه إذ عرضوا عليه أن يزوجوه بأجمل بناتهم وعرضوا عليه الملك والمال على أن يترك دعوته فأبى ذلك كلَّ الإباء! وقد تنبه الفيلسوف الإنجليزي توماس كارليل إلى فساد مثل هذه الشبه، وشهد لمحمدٍ بالنزاهة والعفة والطهارة، فقال:"وما كان محمد أخا الشهوات، برغم ما اتهم به ظلماً وعدواناً...ونخطئ إذا حسبناه رجلاً شهوانياً لا هم له إلا قضاء مآربه من الملذات". وهكذا - عزيزي القارئ - نجد أن هذه الشبهة داحضة، لا ينهض بها دليل من عقل ولا واقع، وهي ساقطة الاعتبار من كل وجه، ولا تأثير لها على شخصية كملت من جوانبها كافة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت