فهرس الكتاب

الصفحة 12014 من 19127

إلى رفع حد السرقة! لماذا؟. لأن الجوع بيئة خصبة ملجئة للسرقة، والحدود تدرأ بالشبهات، ولا تطبَّق إلا في مجتمعٍ نظيفٍ موزون.

إن الإسلام يعتمد على الإرهاب بالعقوبة أكثر من إيقاع العقوبة بحد ذاتها، ولذلك يشترط حضور حشد من الجماهير، ليروا تنفيذ الحكم، فيزحف الخوف إلى قلوبهم، ويقتل بذرة الجريمة فيها، ويسلم المجتمع من آثارها المدمرة. فما أحوجنا إلى تطبيق هذه التشريعات العظيمة الجليلة التي تصان بها الحقوق، وتحفظ به الحياة في هذا العصر الذي استفحلت فيه الجريمة، وزرعت مافيا الفساد الرعب والقلق في قلوبنا وبيوتنا، وعلى هؤلاء الذين يزعمون أن تنفيذ هذه الحدود قسوة أن يذكروا خطر الجريمة على الفرد والمجتمع والدولة بل تجاوزت الجريمة في أيامنا حدود الدولة، لتشكل خطراً على النظام العالمي بأسره.

وهناك وجهٌ آخر للرحمة في الحدود، ولكن لا يفقهه إلا من آمن بالله واليوم الآخر، وهو أن العبد إذا أصاب حداً من حدود الله، وعوقب به، فإنه يكون كفارة له. وهذا ما دفع بعض المجرمين إلى الإقرار بجرائمهم، وطالبوا رسول الله بتطهيرهم، ومنهم ماعز بن مالك رضي الله عنه الذي جاء رسول الله، وقد زنى فقال له:"طهِّرْني يا رسول الله!"أي أقم عليَّ الحد! فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعله يرجع ويتوب إلا أن ماعزاً أبى إلا الحد، وكرر طلبه، وألح على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بتطهيره، في قصة طويلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لقد تاب توبة لو قُسِّمت بين أمة لَوَسِعتهم". ونحوه فعلت المرأة الغامدية.

وأكتفي بهذا القدر، فالحقُّ أبلج، والعيب ليس في الأبصار ولكن في القلوب الغلف، وصدق الله سبحانه القائل: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [170] .

المبحث الثاني: الرحمة في الحرب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت