فهرس الكتاب

الصفحة 12029 من 19127

إذا كانت الحرب ضرورة، فلا يعني الخضوع لغرائز الغضب والتعصب وإشباع نوازع الحقد والقسوة والأنانية. وإن سياسة الإسلام في الحرب كالسلم، لا تجاف الرحمة، ولا تنفصل عن الأخلاق، فالحرب لا تعني الفجور في الخصومة، ولا الجور في المعاملة، ولا الوحشية في القتال، ولا الانتقام والتشفي بعد القتال، كما قال سبحانه - وهو يعلم المؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [194] . و إذا كان لابد من الحرب، رداً لعدوانٍ أو دفعاً لفتنة، فلتكن حرباً تضبطها الأخلاق، وتحكمها الموازين، ولا تسيرها الشهوات والإحن. لتكن ضد الطغاة والمعتدين وذئاب البشر لا ضد البرآء والمسالمين والمستضعفين، وهذا واضح في تشريع القتال في القرآن ووجهته التي ارتضاها له عندما قال: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} [195] . وبذلك غيَّر الإسلام أغراض الحروب وأهدافها التي كانت تضطرم نار الحرب لأجلها في الجاهلية قديمها وحديثها من النهب والسلب والقتل والإغارة والظلم والبغي والعدوان، وأخذ الثأر، والفوز بالوَتَر، وكبت الضعيف، وتخريب العمران، وتدمير البنيان، وهتك حرمات النساء، والقسوة بالضعاف والصبيان، وإهلاك الحرث والنسل، والعبث والفساد في الأرض، وهذا لا ينطبق على العرب بل كان هذا حال الحروب عند الروم والفرس وجميع شعوب الأرض، بينما الحرب - في الإسلام - تتجه إلى تحقيق أهداف نبيلة، وأغراض سامية، وغايات محمودة، وتتقيد بأخلاق الرحمة وآداب الإنسانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت