أيها المسلمون: من رأى حال المؤمنين في رمضان وهو لا يعرف معنى الإيمان فإنه سيعجب أشدَّ العجب من طاعتهم لله تعالى، ومبادرتهم إلى ترك ما يحتاجون إليه، ومفارقة ما يتلذذون به من الطعام والشراب والنكاح، لا يفعلون ذلك طلبا للدنيا، ولا لأجل الخلق؛ وإنما طاعة لله تعالى، ولا رقيب عليهم في ذلك إلا هو سبحانه وتعالى، ولو أفطروا سِرَّاً لما علم بهم أحد سوى خالقهم عز وجل، ولو كَثُر المفطرون لاشتهر ذلك في المسلمين ولو حاولوا إخفاءه، ولكن المشهور والمشاهد أن عموم المسلمين يلتزمون بفريضة الصيام، وقلَّ فيهم من يُخِّلُ بها حتى من هم مقصرون في الفرائض الأخرى كالصلاة وغيرها.
إن الصائم يجوع فلا يأكل، ويظمى فلا يشرب، ويضحى فلا يفطر، ويُجْهَدُ أشدَّ الجَهْدِ إذا كان عمله شاقَّا فيصبر إلى غروب الشمس، وكان قادرا على أن يتخفى فيفطر، ويختلق لنفسه المعاذير.
وفي بلاد الكفر مؤمنون صائمون، يعملون في المزارع والمصانع والأسواق وغيرها، ويرون غيرهم يأكلون ويشربون ويتمتعون وهم ممسكون عن شهواتهم باختيارهم مع أن الداعي يدعوهم إلى ترك الصيام.
فما الذي جعل هؤلاء وأولئك يصومون، ويَحْرِمون أنفسهم ما أُودِعَ في بني آدم من شهوات الطعام والشراب والنكاح؟
ما الذي يجعلهم يلتزمون بوقت إمساكهم ووقت إفطارهم لا يُخِلُّون بشيء من ذلك، ولا يَضْعُفُون أمام الشهوات التي تحيط بهم من كل جانب؟
إنه -يا عباد الله- الإيمان الذي وقر في قلوبهم، وصدقته أعمالهم، فيصومون قربة لله تعالى، ويراقبونه عز وجل في صيامهم، ولا يخشون في ذلك أحدا إلا اللهَ تعالى، ولا يلتفتون إلى المفطرين وشهواتهم.. قد روضوا نفوسهم على الصبر والمصابرة والمرابطة في طاعة الله تعالى.
سمعوا نداء الرب جل جلاله لهم فأرعوا له أسماعهم، ووعته قلوبهم، وبادرت إلى امتثاله جوارحهم، وأجابوا: سمعنا وأطعنا.