فهرس الكتاب

الصفحة 12137 من 19127

كما أن اجتنابَ المعاصي يَحْتاج إلى مُجَاهدة للشيطان، ومقاومةٍ للنفس الأمَّارة بالسُّوء، فإن التزام الطاعة والمحافظة عليها، وأداء الفرائض والمَنْدُوبات يحتاج إلى مُجَاهدةِ النفس المَيَّالَة بطبعها إلى الرَّاحة والكَسَل، وإلى مُجاهَدة الشيطان الذي يُثَبِّط العَزَائم، ويضعف الهِمَم، ويزين للعبد ترك اكتساب الحسنات. وهذا هو دَأْب الصالحين من عِبَاد الله - تعالى - من النبيين والصحابة، والتابعين لهم بإحسان: دوام المجاهدة في سبيل الله - تعالى - وقَهْر النفس على اكتساب الحسنات، وترك السيئات.

ومن صدق مع الله - تعالى - واجْتَهَد في هذا الباب وفَّقَهُ الله للهُدى، وبلَّغه ما تَمَنَّى، وضعف تَسَلُّط الشيطان عليه، كما قال الله - سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] ، فالهِدَاية من الله - تعالى - ويستحقها المُحْسِنُون من عباده، الذين جاهدوا في الله - تعالى - حتى بلغهم الله ما أرادوا من الهِدَاية.

وواقع المُجَاهِدِين يدُلّ على ذلك: فهذا نبي الله يوسف - عليه السلام - دعاه الشيطان إلى مُقَارَفَة الحرام مع امرأة العزيز، التي زَيَّنَتْ لها نفسُها الأمَّارة بالسوء عمَلَها فراوَدَتْهُ عن نفسه؛ لكنه - عليه السلام - جاهد نفسه، ولم يستَسْلِم للشيطان ولِهَواه، فقال: {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23] ، واعترف بعجزه وضعفه رغم مُجَاهدته، وسأل الله - تعالى - العافيةَ من هذا الابتلاءِ، ودعا فقال: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [يوسف: 33 - 34] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت