فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فوثب إليه الخَدَمُ يضربونه، فمنعتهم من ذلك، وقالت: أراد خيرًا وأخطأ، وهو أحبُّ إلينا مِمَّن أراد شَرًّا فأصاب؛ سمِع قولَهم:"شِمالُكِ أَنْدَى مِنْ يَمِينِ غَيْرِكِ"، فظَنَّ أنه إذا قال هكذا كان أبلغَ، أَعْطُوهُ مَا أَمَّلَ، وعَرِّفُوهُ مَا جَهِلَ. [24]
ومات لها قِرْدٌ، فساءَها ذلك، ونالها من الغمِّ ما عرفه الصغير والكبير من خاصَّتها، فكتب إليها أبو هارون العبدي: أيَّتُها السيِّدة الخطيرة، إنَّ موقِعَ الخطْبِ بِذَهاب الصغيرِ المعجِبِ، كموقع السرور بنَيْلِ الكثير المفرِح، ومن جَهِلَ قَدْرَ التعزية عنِ التافِهِ الخَفِيِّ، عَمِيَ عنِ التهنئة بالجليل السَّنِيِّ، فلا نَقَصَكِ اللَّه الزائدَ في سُرورِك، ولا حَرَمَكِ أَجْرَ الذاهب من صغيركِ، فأمرتْ له بجائزة [25] .
اختلف الرشيدُ وأمُّ جعفر في اللوزينج والفَالَوْذَجِ أيهما أَطْيَبُ؟ فمالتْ زبيدة إلى تفضيل الفَالَوْذَج، ومال الرشيد إلى تفضيل اللوزينج، وتخاطرا على مائة دينار، فأَحْضَرَا أبا يوسف القاضي، وقالا له: يا يعقوبُ قدِ اخْتَلَفْنا في كذا على كذا وكذا، فاحكم فيه، فقال: يا أمير المؤمنين ما يُحْكَم على غائب، وهو مذهبُ أبي حنيفة، فأحضر له جامَيْنِ منَ المذكورَيْنِ، فطَفِقَ يَأْكُلُ من هذا مَرَّةً، ومن هذا مَرَّةً، وتحقَّق أنَّه إن حَكَمَ للرشيد لم يأْمَنْ غَضَبَ زُبيدة، وإن حكم لها لم يأمن غَضَبَ الرشيد، فلم يزل في الأكل إلى أن نَصَفَ الجامَيْنِ، فقال له الرشيد: إِيهِ أبا يوسفَ، فقال: يا أمير المؤمنين، ما رأيتُ خَصْمَيْنِ أَجْدَلَ منهما، كُلَّمَا أردتُ أن أُسَجِّلَ لأحدهما أَدْلَى الآخَرُ بحُجَّتِهِ، وقد حِرْتُ بينهما، فضَحِكَ الرشيدُ، وأعطاه المائة دينار، وانصرف مشكورًا [26] .