أصبحت بغدادُ بعد بنائها، وجعلها عاصمة للدولة الإسلامية مَوْئلاً للعلم والعلماء، ومقرًّا للقادة والساسة والتجار والصنَّاع، ومنها كانت تُعقد الألوية، وتُسير الجيوش لنصرة المُسْتَضْعَفِينَ، ونشر الدين، والحكم بالشريعة فيما بين الناس، وإليها يَفِدُ طلاب العلم من شَتَّى الأقطار؛ لطلب العلم على أيدي الأئمة الكبار؛ حتى أزهرت حضارتها، واتَّسع عمرانها، وصارت مهوى أفئدة الناس. من زارها لم يخرج منها، ومن سمع عنها اشتاق إليها؛ حتى قال الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - ليونس بن عبدالأعلى: «أيا يونس، دخلتَ بغداد؟ قال: لا، فقال الشافعي: أيا يونس، ما رأيت الدنيا ولا الناس" [7] ، وقال أبو إسحاق الزجَّاج:"بغداد حاضرة الدنيا، وما عداها بادية" [8] ."
وقال ابن مُجاهد المقري:"رأيت أبا عمرو بن العلاء في النوم فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: دعني مما فعل الله بي، من أقام ببغداد على السنة والجماعة ومات نقل من جنة إلى جنة" [9] .