كانت تلك منزلتها عند أهلها وعند الوافدين عليها من شتى الأقطار؛ حتى سوَّدَ العلماء الكتب الكبيرة في تاريخها، ونظم الشعراء القصائد الكثيرة في مديحها، وتحسين الإقامة فيها؛ ولكنْ حقٌّ على الله - تعالى - أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه كما صح ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - [10] إذ مع تطاول السنين، وتعاقب الخلفاء؛ بدأت تضعف الخلافة العباسية شيئًا فشيئًا، حتى بلغ الضعف فيها مبلغه، وتحولت اهتمامات الخلفاء والأعيان من رفع راية الإسلام إلى الإقبال على الدنيا وزينتها وزخرفها، وأهملوا الجهاد في سبيل الله - تعالى - واشتغل الناس باللهو واللعب، والتنافس في الغنى والعمران. وقد وصف هذا الحال البائس الذي ينذر بالخطر الداهم المؤرخ ابن الأثير - رحمه الله تعالى - فقال:"فالله - تعالى - ينصر الإسلام والمسلمين نصرًا من عنده، فما نرى في ملوك الإسلام من له رغبةٌ في الجهاد، ولا في نصرة الدين، بل كلٌّ منهم مقبلٌ على لهوه ولعبه وظلم رعيته، وهذا أخوف عندي من العدو، وقال الله - تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25] "اهـ كلامه [11] .
وبعد ثمان وعشرين سنة فقط من كلام ابن الأثير هذا، كان هولاكو وجنده يعيثون فسادًا في بغداد!!