فهرس الكتاب

الصفحة 12341 من 19127

وأعملوا السيوف في الرقاب مدة أربعين يومًا؛ فقتلوا العلماء والخطباء والأئمة وحملة القرآن، وعامة الناس، وتعطلت المساجد والجمعات مدة شهور ببغداد. ولما انقضت الأربعون يومًا بقيت بغداد خاوية على عروشها والقتلى في الطرقات كأنها التلال، وفسد الهواء من كثرة الجُثَث، فعمَّ الوباء، وأتى على البقية الباقية المختبئة من سيوف التتار حتى إن خطيبًا بعد انكشاف الغمة استهل خطبته بقوله:"الحمد الله الذي هَدَمَ بالموت مَشِيْدَ الأعمار، وحكم بالفناءِ على أهل هذه الديار"؛ يعني بغداد وما حولها [17] .

وها هو التاريخ يعيد نفسه، فالشاشات المرئية تنقل أكوام الجثث المفحمة في العربات والبنايات، كما تنقل صور القتلى في الأزقة والطرقات.

وكعادة أعداء الدّين والملَّة إذا تمكَّنوا، فإنهم يطأون جميع من تمكَّنوا منهم حتى من أعانوهم على ظلمهم بخيانة المسلمين ومصانعة أعدائهم، وهكذا فعل التتار بابن العلقمي الخائن، فأذاقوه خِزْي الدنيا قبل عذاب الآخرة. ولم يكافئوه على معونته لهم، وخيانته لأهل الإسلام إلا بالإهانة والاحتقار؛ حتى إن المغولي كان يأتي إليه وهو جالسٌ في مجلسه، فيدخل بخيله في مجلسه، فتبول الخيل على فرشه وبساطه، ويصيبه شيء من رذاذ بولها وهو لا يقوى على الاعتراض من شدة الذل والهوان [18] ، وقد رأته امرأة من أهل بغداد في ذُلِّه هذا فقالت له:"يا ابن العلقمي.. هكذا كان بنو العباس يعاملونك؟!"، فوقعت كلمتها في قلبه، وانقطع في داره إلى أن مات كمدًا وضيقًا، وذلك بعد ثلاثة أشهر فقط من خيانته الشنيعة، وما مات حتى رأى بعينيه، وسمع بأذنيه ما لا يُوصف من الذل والإهانة من المغول ومن المسلمين على حد سواء [19] .

وهكذا يفعل أعداء الله - تعالى - بمن خانوا دينهم وأمتهم، يُذلونهم ويهينونهم، ولا يقيمون لهم وزنًا، ولو أظهروا خلاف ذلك أمام الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت