وأعظم انتصار يحققه المسلم في مثل هذه المِحَن والأزمات: ثباته على الحق، واستمساكه بدينه، ولو رأى أن الأمور تجري على خلاف ما يريد ويتمنَّى. أمَّا الذين لا يعرفون دين الله - تعالى - إلا في الرخاء، ويتخلَّون عن ولائهم لأمتهم في الشدائد؛ حِفاظًا على مكاسب دنيوية، أو خوفًا من عدو غاشم، أو اعتقادًا بأن الأمة لا تنتصر، أو أن إمكانيات العدو الهائلة لا تُقهر؛ فهؤلاء عليهم أن يراجعوا إيمانهم ويقينهم بالله - تعالى - وبقدرته وعظمته وجبروته، وليعلموا أن هذه المِحَن والأزمات هي معامل التصفية التي تميز الخبيث من الطيب، وتبين من كان انتماؤه لأمته إنما كان لأجل أنه يرجو نصرها، فإذا انكسرت في موقعة من المواقع انكسر إيمانه معها،وذهب يقينه، وضعف انتماؤه وولاؤه لإخوانه المسلمين. وتلك هي نفوس الضعفاء الذين يُسقطهم التاريخ من حسابه.
وإذا كان أفاضل البشر من النبيين والمرسلين قد عُذِّبوا وأوذوا، وطُورد أتباعهم وقتلوا، وزُلزلوا زلزالاً شديدًا، ولم يبدّلوا مواقفهم أو ييأسوا من نصر الله - تعالى - حتى جاءهم فرج الله - تعالى - بعد حين، فإنَّ أتباع الرسل كذلك يُبتلون، والواجب عليهم عدم اليأس والقنوط، واليقينُ بوعد الله - تعالى - ونصره لهذه الأمة المباركة ولو طال الزمن، وانتفش الباطل وأهله، وسواءٌ أدركنا ذلك أم لم ندركه.
إن من الناس من يتخذ دين الله - تعالى - وسيلة، ويجعل الغاية النصر والتمكين، فإذا لم تتحقق غايته تخلى عن الوسيلة، وبدَّل دينه، وغيَّر مواقفه، ولربما والى أعداء الله - تعالى- لأنه يراهم أقوى، وعادى إخوانه لأنهم الأضعف، فهذا انهزام معنوي مقيت. والواجب أن تكون غاية المسلم إقامة دين الله - تعالى - والثبات عليه في السراء والضراء، وفي العُسْر واليسر، فهذا هو الصدق مع الله - تعالى - الذي ينال به العبد رضاه وجنته، ويكون حريًّا بالنصر والتمكين.