وظهر تسخيره لسلطانه وقوته فيما يحبه الله تعالى ويرضاه من رفع الظلم، ونصرة المستضعفين، في قوم من الترك شكوا إليه إغارة يأجوج ومأجوج عليهم، والإفساد في بلادهم، ورجوه أن يبني حاجزا يحجزهم عنهم مقابل خراج يدفعونه إليه، فعفَّ رحمه الله تعالى عن جُعْلِهم، وبادر إلى نجدتهم، ورفع الظلم عنهم، وبناء السد لهم، معترفا بفضل الله تعالى عليه بالسلطان والمال (قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا، قال ما مكنى فيه ربى خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما) أي:ما أعطاني ربي من الملك والمال خير من خراجكم، وطلب معونتهم على بناء السد فبناه لهم، ولما أتم بناءه لم يفاخر بذلك، أو يعلن به على الملأ، أو يمنَّ به على القوم؛ ليكتسب بذلك دعاية، أو يظهر به قوة، أو يحوز به شرفا، أو يسجله في سجل إنجازاته، بل نسب الفضل في ذلك لله تعالى صاحب الفضل والمنِّ، واعترف بقدرة الله تعالى على هذا السد وتدميره في أجلٍ لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى (قال هذا رحمة من ربى فإذا جاء وعد ربى جعله دكاء وكان وعد ربى حقا) .
إن سورة الكهف قد عالجت في قصصها هذه الفتن الأربع: فتنة الشرك في قصة الفتية، والفتنة بالمال في قصة صاحب الجنتين، والفتنة بالعلم والمعرفة في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام، وفتنة السلطان في قصة ذي القرنين، ولو نظرنا في حال أكبر فتنة حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم وهي فتنة الدجال لوجدنا أن هذه الفتن الأربع قد اجتمعت كلها في الدجال:
فهو يفتن الناس في دينهم، ويدعوهم إلى الشرك، ويقهرهم عليه، وأعطاه الله تعالى من الآيات ما يكون فتنة للناس وابتلاء:
ففي فتنة المال يمر الدجال بالخربة فتتبعه كنوزها، ويأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت.