فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
سنعود مرة أخري إلى صبر النبي يعقوب - عليه السلام - وحزنه الشديد، وكيف أثَّر فيه حزنه إلى درجة فقدان البصر، مما يدل على تأثير الجانب الوجداني في الجانب الجسمي (وابيضَّت عيناه) ، وما قد يترتَّب على ذلك من ضعفٍ في الإحساس والإدراك! وقد حدث هذا بالنسبة للنبي يعقوب بسبب تغلب الجانب الوجداني فيه على الجانبين: الروحي والعقلي، وذلك لتغلُّب طبيعته البشرية عليه، وقد ناقش الزَّمَخْشَرِيُّ هذه النقطة، حيث قال:"فإن قلتَ: كيف جاز لنبي الله أن يبلغ به الجزع ذلك المبلَغ؟ قلتُ: الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الشدائد من الحزن، ولذلك حُمِدَ صبره، وأن يضبط نفسه حتى لا يخرج إلى ما لا يَحْسُن" [ 6، ص339] .
التخلص من يوسف:
وجاءت قافلة، وقصدت الجُبَّ للاستسقاء، وتعلَّق غلامٌ بالحبل، وأُخْرِجَ من الجُبِّ، مما أدَّى إلى تعجب الرجل - (واردهم) - ودهشته. وقد عبر عن تعجبه بالفرح؛ فقد راح يستسقي بالدلو ليغترف الماء، فإذا هو يغترف غلاماً غايةً في الحسن؛ فأيُّ بُشْرَى! ولكنَّ إخوة يوسف كانوا للساقي بالمرصاد:"لا يمكن أن تأخذ غلامنا هذا مجاناً، ولكننا نعرض عليك شراؤه بدراهم معدودة، بثمن بخس"! فانظر كيف فرَّطوا في أخيهم، وباعوه بدراهم معدودة، وكانوا فيه من الزاهدين بفعل غيرتهم منه، ورغبتهم في التخلص منه بأي وسيلة! فهدفهم الأساسي لم يكن تجاريّاً؛ إذ لم يرغبوا في الحصول على الأموال من بَيْع يوسف؛ بل الهدف هو التخلص منه؛ حتى لا تنكشف أقنعتهم من جهة، ويزيلونه من طريقهم إلى قلب أبيهم من جهة أخرى، فقد كان يوسف - حسب اعتقادهم - يقف حاجزاً منيعاً دون تحقيق هدفهم، وهو الاستئثار بحبِّ أبيهم.