فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وهكذا نجا يوسف من غيابات الجُبِّ؛ وهو أول سجن يدخله في حياته، وهو غلام، ولم يؤنسه في وحشته إلا وحي الله - تعالى - إليه، يا لرحمة الله بهذا الغلام الذي استبد به الجزع والهلع، وهو يُلقى في ظلمات الجُبِّ من طرف إخوته! ما أشد ظلم ذوي القربى! وكيف لا يكون شديداً ويوسف لا يعلم لماذا ألقي في ظلمات الجُبِّ، الذي -ولاشك - لو كانت فيه مياه كثيرة لغرق، ولكنَّ الجُبَّ كان زنزانة مظلمة، تحيطها المياه من كل الجهات، إلى ما فوق سرَّة الغلام، في أرض قاحلة، غاب عن ليلتها البدر!.
ولكن ضياء الوحي ونوره قد غمرا يوسف وهو في الجُبِّ، وآنسا وحشته، وأزالا غمَّه، {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [يوسف:15] ، وجاءه المدد من السماء، وانتُشل من الجب، ولكنه بِيَع مثل الرقيق، واشتراه رجلٌ ذو مكانة كبيرة في مصر، وأوصى زوجته بإكرامه؛ فقد توسَّم فيه الرجل خيراً ونفعاً، إلى حدِّ رغبته في تبنِّيه، وهذا كله من تدبير الله العليم الحكيم، الذي علم يوسف - عليه السلام - تأويل الأحاديث، وفَهْم الأحاديث، بينما أكثر الناس لا يحكمون إلا بالظاهر، ولا يدركون الحكمة من وراء الأحداث الكثيرة التي تقع لهم، أو تقع حواليهم!! وكيف يدركون الحكمة من وراء وقوع الأحداث؛ وهذا الإدراك يتطلَّب كثيراً من الخبرة والتجربة والتأمل!!.
الابتلاء بالهوى:
وكبر يوسف في بيت عزيز مصر، وبلغ أشدَّه، وآتاه الله الحكمة والعلم؛ جزاءَ إحسانه وإخلاصه في عمله، وجزاءَ صفاء سريرته، ولكنَّ الأيام لا تمضي دون امتحان وابتلاء، سواء كان هذا الابتلاء حسناً أم قبيحاً في ظاهره.