فهرس الكتاب

الصفحة 12600 من 19127

وتعرَّض يوسف - عليه السلام - إلى ابتلاء عظيم، وقد تمثَّل في امتحان مدى ضبطه للجانب الوجداني في شخصيته: امرأةٌ ذات مالٍ وجاهٍ وجمالٍ تراوده عن نفسه، بعد أن غلَّقت الأبواب وانفردت به، وحاولت أن تجرَّه إلى الهوى بكل ما أوتيت من جاهٍ وفتنةٍ، وهمَّت به، وهمَّ بها؛ لولا أن رأى برهان ربه. ويتلقَّى يوسف مرةً أخرى مدداً من السماء، وتدركه رحمة الله؛ ليصرف عنه السوء والفحشاء، ولولا ذلك لوقع أسير الهوى؛ والهوى: ميلٌ شديدٌ في الجانب الوجداني نحو الخضوع للشهوة، التي تثير في النفس بدورها مشاعر الحبِّ الشديد، والرغبة في التعلُّق، والحصول على اللذة.

والذي أختاره من التفاسير لهذه الحادثة تلخيص سيد قطب في"الظلال"؛ حيث وصف هذا الموقف بقوله:"وهو تصوير واقعي صادق لحالة النفس البشرية الصالحة في المقاومة والضعف، ثم الاعتصام بالله في النهاية والنجاة، وما كان يوسف سوى بشر. نعم، إنه بشر مختار، ومن ثَمَّ لم يتجاوز همُّه الميل النفسي في لحظة من اللحظات، فلما أن رأى برهان ربه الذي نبض في ضميره وقلبه، بعد لحظة الضعف الطارئة، عاد إلى الاعتصام والتأبي" [ 7، ص ص 227 - 228] .

ولا شك أن رؤية يوسف لبرهان ربه قد أثارت في نفسه انفعالاتٍ مضادةً للاستجابات الجنسية الطبيعية؛ وهذه الانفعالات المضادة هي التقزز والاشمئزاز والنفور مما كان قد هَمَّ به، وقد دفعت به هذه المشاعر إلى الهروب؛ خوفاً من الوقوع في الفتنة، والهروب - سواء كان جسمياً (حركياً) أم نفسياً - وسيلةٌ للتخلص من المواقف المحرجة والشديدة، ولكن سيدة البيت لم تبرد، ولم تهدأ انفعالاتها، ولم تستطع ضبط هواها؛ فجرت وراءه لمنعه من الإفلات، ومزَّقت قميصه من دُبُرٍ!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت