فهرس الكتاب

الصفحة 12605 من 19127

وبعد الدهشة الكبيرة التي صدمت نسوة المدينة إلى حدِّ تقطيع أيديهنَّ بالسكاكين، راحت امرأة العزيز تبرِّر سلوكها مع غلامها، بالدفاع عن نفسها أمام ضيفاتها، ولم تكتف امرأة العزيز بذلك؛ بل اعترفت أن الغلام قد استعصم، مما زاد من غضبها عليه، مهدِّدةً إيَّاه بالسجن أمام ضيفاتها، إن لم يفعل ما تأمره به سيدته، حتى يذوق في السجن طعم الهوان والمذلَّة والصَّغَار.

والتهديد بالسجن والإهانة سلاحٌ يستعمله أرباب السلطة المستبدُّون لإرهاب أعدائهم، وكسر مقاومتهم، ناسينَ - أو متناسين - أن حرمان أشخاصٍ من حريتهم معناه إثارة انفعالات قوية في نفوسهم، قد تصل إلى عكس ما كان يرجوه السجَّان ويبتغيه؛ ذلك أن السجن في حدِّ ذاته مدرسة للتأمل والدراسة والتعلم والإبداع لأصحاب الهِمَم والعقول الكبيرة، كما قد يكون مدرسةً للتخلُّص مما هو أسوأ من السجن!.

وهذا ما جعل يوسف - عليه السلام - يقول بأن السجن أحبُّ إليه مما يدعونه إليه من الهوى واللذة، رغم حلاوة هذه الأخيرة، وسهولة تقبُّلها من النفوس؛ وذلك عكس ما هو متوقع في السجن من قيود وحرمان، وآلام نفسية وجسمية. وبالنسبة ليوسف؛ فإن السجن منجاةٌ من كيد النساء وفتنتهنَّ، التي يعلم يقيناً بأنه من الصعب عليه مقاومتها إلى الأبد؛ فهو قبل كل شيء إنسان؛ وشابٌّ يافعٌ قد بلغ أشدَّه، محاطٌ بكل أسباب الفتنة التي لا تفتقر إليها النساء من حوله، وهي الجمال، والسلطة، والسطوة، والوقاحة، وقلة الحياء، ولكنَّ يوسف يدرك تماماً مصيره إذا استسلم لإغراء وفتنة النساء، ولهوى نفسه؛ فالمصير أن يوصم بالجهل، ويا له من عار أن يوصف بالجهل وهو الذي آتاه الله حكماً وعلماً، وهو الذي وصفه الله بأنه من المحسنين، إن هذا المصير يُشعر يوسف بتفاهة مكانته عند الله وانحطاطها، كما يُشعره بعدم احترام الذات؛ بل واحتقارها، مما يؤدي أيضاً إلى فقدان الثقة بنفسه.

النبي السجين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت