وبعد هذه المناقشة البسيطة، قد يُكتفى بالقول بأن الموضوع كله لم يكن إلا معجزةً من الله - تعالى - ولا شك.
والظاهر من النص القرآني، أن النبي يعقوب - عليه السلام - كان ذا حاسة شمٍّ مرهفةِ جدّاً؛ إذ شم رائحة يوسف قبل إلقاء القميص على وجهه، حيث جاء في هذا المعنى: {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} [يوسف:94] . ولا عجب أن تكون لدى بعض الأشخاص - وخاصة مكفوفي البصر والسمع - حاسة الشم قوية، خاصةً في بيئة جوها غير ملوث؛ حيث يكون انتشار الروائح أسرع وأشمل، وهذا معروف بالملاحظة. وعلى كلٍّ؛ فإن هذه الاجتهادات لا تنفي وجه المعجزة في هذا الشأن، وأن الله على كل شيء قدير.
ولكن جلساء يعقوب شكَّكوا في إحساسه، واتهموه بالضلال، غير أن مجيء البشير وإلقاء القميص على وجه النبي يعقوب - عليه السلام - وارتداد بصره إليه أدهشهم؛ فأخذوا يحملقون فيه، وهم لا يكادون يصدِّقون ما يرونه بأعينهم. أما سرور النبي يعقوب - عليه السلام - بالبُشْرَى فلا يمكن قياسه إلا قياساً كيفيّاً، تجلَّى في استرداد البصر بعد سنين طويلة من البكاء والحزن، حتى ابيضَّت عيناه، وهذا يدلنا على أن الأنباء السارة والبشائر العظيمة قد تفعل في الجسم ونفسية الإنسان ما لا يمكن تصوره، من ردود الأفعال، وأنماط السلوك المختلفة كاسترجاع البصر بعد العمى، واسترداد النطق بعد البكم، والحركة بعد الشلل.