فهرس الكتاب

الصفحة 12634 من 19127

ولكن سرور النبي يعقب - عليه السلام - لم يمنعه من تذكير أبنائه بما قال لهم سابقاً، بأنه قد يعلم من الله ما لا يعلمون، ولم يكن ذلك - بالتأكيد - إلا وحياً، وأمام الدليل الذي قام أمام أعينهم؛ لم يتمالك أبناء يعقوب إلا الاعتراف بذنوبهم وأخطائهم؛ فترجُّوا أباهم بحرارة أن يستغفر الله لهم. ولك عزيزي القارئ أن تتصور مدى الشعور بالذنب الذي أحس به أبناء يعقوب جرَّاء أخطائهم، فتجلَّى شعورهم هذا في الكلمات التي استعملوها؛ حيث قالوا: {يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} [يوسف:97] . فاعترفوا بالأخطاء وبالذنوب والشعور بالذنب، ولولا هذا الشعور ما طلبوا من أبيهم أن يستغفر الله لهم، لكنَّ طلبهم هذا وطلبهم من يوسف ذلك من قبل - ولا شك - كان سبيلاً للتخلص من الشعور الشديد بالذنب والخجل.

وإذا كان الاعتراف في القانون هو سيد الأدلة؛ فإنه من الناحية النفسية يخلِّص النفس البشرية من الصراع الذي قد تقع فيه، ومن الشعور الشديد بالذنب الذي يعذبها أشد العذاب، قد يتجاوز أي نوع من أنواع التعذيب الذي قد يتعرض له المذنب لو أقرَّ واعترف بذنبه، وإذا كان بعض المذنبين يعترفون بذنوبهم؛ للاستفادة من الظروف المخفَّفة نتيجة الاعتراف، فإن بعضهم يعترفون بذنوبهم لإراحة ضمائرهم - أولاً وقبل كل شيء - من العذاب النفسي الذي يعانونه.

وحزم النبي يعقوب - عليه السلام - أمتعته القليلة فوق جماله الهزيلة، ويمَّم وجهه شطر مصر مع أبنائه؛ للالتقاء بيوسف وأخيه، ويصلون إلى مصر منهوكي القوى بعد سفرٍ مُضْنٍ عبر صحارٍ وأراضٍ جرداءَ مقفرةَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت