ثم إن محاكمة النمسا وفقاً لقوانين دول أخرى وأعرافها يقضي بأنها شاذة جنسياً لو أخذنا بمنطق سوزانا، فإن السن القانونية لممارسة الاتصال الجنسي في دولة مدغشقر مثلاً هي واحد وعشرين عاماً سواء للرجال مع النساء أو للمثليين!! وفي كثير من الدول الغربية تبلغ السن القانونية ثمانية عشر عاماً، وتجرم ما دون ذلك بل تعده اغتصاباً حتى وإن كان بالتراضي، وفي دول أخرى تبلغ السن القانونية الدنيا سبعة عشر عاماً، فإذا جئنا نحاكم النمسا إلى قوانين نحو أربعين دولة غربية وشرقية وأمريكية وغيرها وكان النمساويون يوافقون على تسمية تجاوز السن القانوني شذوذاً أو تعدياً وهم يبيحونه منذ السادسة عشرة أو الرابعة عشرة فقد حكمت عليهم بالشذوذ إذاً قوانين أكثر من خمسين دولة تقريباً! أما نحن فلا نلتزم ذلك ولا نعده شذوذاً ولا تعدياً -إلاّ بقيود- فلا ينطبق علينا الوصف.
وإذا لم ترض حكومة النمسا بحكم أولئك، ورأتهم غيرَ قيِّمين عليها وعلى تصرفاتها، فنحن كذلك لا نرى النمسا قيمةً على تصرفات غيرها! وإن كانت تُعد في التاريخ الماضي دولة عظمى، ويبدو أن هذه الخلفية هي التي تدفع حزب الحرية إلى الميل للعنصرية والطعن في الآخرين، وينسى هؤلاء أن دولة الإسلام كانت أعظم! ولا تزال كذلك بقيمها.
ومن ذلك حكمها في مثل هذا الشأن؛ فإن الصواب الذي دل عليه العقل ما قضى به الشرع الإسلامي، فالمُرْضِي للفِطَر والمُشْبِع للغرائز بأمثل السبل -ضمن خضم هذا الاضطراب بين الدول في تقدير السن القانوني لجواز الاقتران بين الزوجين- هو ما جاء به الإسلامُ، وحاصلُه إباحُ عقد الزواج من غير تقييد، وإباحة الوطء لمن كان مثلها يوطأ، وتحريم بل تغليظ الشذوذ الذي تجاهر بالإعلان به النمسا وغيرها.