فهرس الكتاب

الصفحة 12652 من 19127

وقال معاوية بن أبي سفيان لصعصعة بن صوحان: صف لي عمر بن الخطاب!

فقال: كان عالماً برعيته، عادلاً في قضيَّته، عارياً من الكبر، قَبولاً للعذر، سهل الحجاب، مَصون الباب، متحرِّياً للصواب، رفيقاً بالضعيف، غير مُحاب للقريب، ولا جاف للغريب.

وقال معاوية -أيضاً- لضرار الصدائي: يا ضرار، صف لي علياً!

قال: اعفني يا أمير المؤمنين.

قال: لَتصفنَّه!

قال: أما إذ لابد من وصفه؛ فكان -والله- بعيد المدى، شديد القُوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجَّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته.

وكان والله غزير العَبرة، طويل الفكرة، يقلِّب كفَّه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن.

وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا اذا استنبأناه، ونحن، مع تقريبه إيانا، وقربه منا؛ لا نكاد نكلمه لهيبته، ولا نبتدئه لعظمته، يعظِّم أهل الدين، ويحب المساكين، ولا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله.

وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه، قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول:

يا دنيا، إليك عني، غُرِّي غيري! ألي تعرَّضْتِ؟ أم إليَّ تشوقتِ؟ هيهات! هيهات! لقد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها؛ فعمرك قصير، وخطرك حقير، وخطبك يسير. آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.

فبكى معاوية حتى أخضلت دموعه لحيته، وقال: رحم الله أبا الحسن، فلقد كان كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال حزن من ذُبِحَ وحيدُها في حجرها.

* وصف صديق *

ولنقف في محطة أخرى مع عبد الله بن المقفع، وهو يصف صديقاً له، يقول:

كان لي أخ أعظم الناس في عيني، وكان رأسما عظَّمه في عيني صغر الدنيا في عينه.

وكان خارجاً من سلطان بطنه؛ فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد.

وكان لا يأشر عند نعمة، ولا يستكين عند مصيبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت