وقف على المنبر يوم الجمعة فبكى، وقد بايعتْه الأمة، وحَولَه الأمراءُ، والوزراء، والعلماء، والشعراء، وقواد الجيش، فقال: خذوا بيعتكم!!
قالوا: ما نريد إلا أنت!
فتولاها، فما مرّ عليه أسبوع، إلا وقد هزل وضعف وتغيّر لونه، ما عنده إلا ثوب واحد!!
قالوا لزوجته: مالِ عمرَ تغيَّرَ؟!
قالت: والله، ما ينام الليل، والله، إنه يأوي إلى فراشه، فيتقلّب كأنه ينام على الجمر، يقول: آه آه، توليت أمر أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- يسألني يوم القيامة عن الفقير، والمسكين، والطفل، والأرملة.
وقال له أحد العلماء، وهو ابن زياد: يا أمير المؤمنين، رأيناك وأنت ولي مكة، قبل أن تتولى الملك، في نعمة، وفي صحة، وفي عافية، فمالك تغيَّرتَ؟!
فبكى، حتى كادت أضلاعه تختلف، ثم قال:
كيف بك يا ابن زياد، لو رأيتَني في القبر بعد ثلاثة أيام، يومَ أُجَرَّدُ عن الثياب، وأتوسَّد التراب، وأفارق الأحباب، وأترك الأصحاب؟ كيف لو رأيتني بعد ثلاث! والله، لرأيت منظراً يسوؤك!
ورحم الله القائل:
والله لو عاش الفتى في عمرِهِ ألْفاً من الأعوام مالكَ أمرِهِ
متنعماً فيها بكل لذيذةٍ متلذذاً فيها بسكنى قصرِهِ
لا يعتريه الهمُّ طولَ حياتِهِ كلا، ولا تَرِدُ الهمومُ بصدرِهِ
ما كان ذلك كلُّه في أن يفي فيها بأول ليلةٍ في قبرِهِ
وخطب عمر بن عبد العزيز يوماً، فقال:
أيها الناس، إن لكل سفر زاداً لا محالة، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى، وكونوا كمن عاين ما أعدَّ اللهُ من ثوابه وعقابه، فترغبوا وترهبوا، ولا يطولَنَّ عليكم الأمد؛ فتقسوا قلوبكم، وتنقادوا لعدوكم.
وكان-رضي الله عنه- يتمثل دائماً بهذه الأبيات:
نهارك يا مغرور سهوٌ وغفلةٌ وليلُك نومٌ والأسى لك لازمُ
تُسَرُّ بما يفنى وتَفرَح بالمُنَى كما سُرَّ باللَّذَّاتِ في النوم حالمُ
وسعيُكَ فيما سوف تَكرَه غِبَّهُ كذلك في الدنيا تعيش البهائمُ!
* أبو العتاهية وموعظة بليغة *