فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
لقد بدأ جدي التعليم مدرساً في المدارس الابتدائية في القرى، وقد انطلق إلى هذا العمل مشحوناً بحماسة ندَر أن نجد لها مثيلاً لدى معلم صبيان. ولكن طموحه كان أكبر من تعليم صبيان، كان - أبداً - يريد أن يصب ما في رأسه من علم، أو في جَعبته من إبداع حيث عمل، ومع أي أناس اشتغل. ها هو ذا يقول عن عمله مع تلاميذ المدرسة الابتدائية بقرية سلمية التي علم فيها سنة 1932م:"وكنت - من حماستي، ومما وجدت من ذكاء التلاميذ وحسن استجابتهم ورغبتهم في الاستفادة والتحصيل - أريد أن أجعل منهم كُتّاباً وخطباء، وجعلت من دروس التاريخ محاضرات وطنية، لا مجرد معرفة بأحداث الماضي" [14] .
ولما نقل إلى قرية سقبا - من قرى الغوطة، قرب دمشق - في السنة التالية صار مسؤولاً عن مدرسة ابتدائية فيها أكثر من مئة من التلاميذ [15] .
بعد ذلك انتقل إلى العراق - عام 1936م - مدرساً في الثانوية المركزية في بغداد، ثم في ثانويتها الغربية، ودار العلوم الشرعية في الأعظمية - التي صارت كلية الشريعة - ولكن روحه - الوثابة التي لم يتركها وراءه حين قدم العراق - وجرأته في الحق - ذلك الطبع الذي لم يفارقه قط - فعلا به في العراق ما فعلاه به في الشام، فما لبث أن نُقل مرة بعد مرة، فعلَّم في كركوك في أقصى الشَّمال وفي البصرة في أقصى الجنوب. وقد تركت تلك الحقبة في نفسه ذكريات لم ينسها، وأحب بغداد حتى ألَّف فيها كتاباً [16] . وكانت تجربته في التعليم الثانوي هناك مختلفة عن تجربته في التعليم الابتدائي في الشام أيما اختلاف، فقد انتقل من تلقين تلاميذ صغار محدودي الإدراك إلى تعليم طلاب كبار يتلهفون للتَّلقي والتعلُّم، فتفجرت قريحته ونَثَر ذخائر علمه بدون حساب [17] .
بقي علي الطنطاوي يدرس في العراق حتى عام 1939م، لم ينقطع عنه غير سنة واحدة أمضاها في بيروت مدرساً في الكلية الشرعية فيها عام 1937م.